تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
فيه بعض المتورعة ممن قلّت في العلم طبقته ، وضعفت فيه خبرته ، واستعمل هذا الحديث على ظاهره ، وامتنع أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده ، عند وضوح شواهده ، إلا أن يرد بها نقل صحيح ، ويدلّ عليها نص صريح ، وهذا عدول عما تعبد اللّه تعالى به خلقه في خطابهم بلسان عربي مبين ، قد نبه على معانيه ما صرح من اللغز والتعمية ، التي لا يوقف عليها إلا بالمواضعة إلى كلام حكيم ، أبان عن مراده ، وقطع أعذار عباده ، وجعل لهم سبلا إلى استنباط أحكامه ، كما قال تعالى :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
« 1 » ولو كان ما قالوه صحيحا ، لكان كلام اللّه غير مفهوم ، ومراده بخطابه غير معلوم ، ولصار كاللغز المعمى ، فبطل الاحتجاج به ، وكان ورود النص على تأويله ، مغنيا عن الاحتجاج بتنزيله ، وأعوذ بالله من قول في القرآن يؤدي إلى التوقف عنه ، ويؤول إلى ترك الاحتجاج به . ولهذا الحديث - إن صح - تأويله ، معناه : أنّ من حمل القرآن على رأيه ، ولم يعمل على شواهد ألفاظه ، فأصاب الحق ، فقد أخطأ الدليل . وقد روى محمد بن عثمان ، عن عمرو بن دينار « 2 » ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه » « 3 » وفي قوله : « ذلول » تأويلان : أحدهما : أنه مطيع لحامليه ، حتى تنطلق فيه جميع الألسنة . والثاني : أنه موضح لمعانيه ، حتى لا تقصر [ عنه ] أفهام المجتهدين فيه . وفي قوله : « ذو وجوه » تأويلان : أحدهما : أن ألفاظه تحمل من التأويل وجوها لإعجازه . الثاني : أنه قد جمع من الأوامر ، والنواهي ، والترغيب ، والتحليل ، والتحريم .
هامش
( 1 ) سورة النّساء : الآية 83 . ( 2 ) هو عمرو بن دينار أبو محمد الجمعي ، قال الذهبي : مات في حدود الثلاثين ومائة له ترجمة في : التاريخ الكبير ج 4 ص 122 ، التاريخ الصغير ص 169 ، طبقات ابن سعد ج 5 ص 479 ، تاريخ الإسلام ج 5 ص 114 ، العقد الثمين ج 6 ص 374 . ( 3 ) رواه الدارقطني في السنن ج 4 ص 145 وفي إسناده زكريا بن عطية قال أبو حاتم منكر الحديث كذا في الميزان . أنظر : التعليق المغني على الدارقطني ج 4 ص 145 .
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 244 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية