تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
فأما ما لا بد للعباد من علم تأويله ، فقد بيّن لهم نبيهم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ببيان اللّه ذلك له بوحيه مع جبريل . وذلك هو المعنى الذي أمره اللّه ببيانه لهم فقال له جل ذكره :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
. « 1 » ولو كان تأويل الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنه كان لا يفسّر من القرآن شيئا إلا آيا بعدد - هو ما تسبق إليه أوهام أهل الغباء ، من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آية واليسير من حروفه . كان إنما أنزل إليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذكر ليترك للناس بيان ما أنزل إليهم ، لا ليبين لهم ما أنزل إليهم . وفي أمر اللّه جلّ ثناؤه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ببلاغ ما أنزل إليه ، وإعلامه إياه أنه إنما نزّل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزّل إليهم ، وقيام الحجة على أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد بلّغ وأدّى ما أمره اللّه ببلاغه وأدائه على ما أمره به ، وصحة الخبر عن عبد اللّه بن مسعود بقيله : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهنّ والعمل بهنّ - ما ينبئ عن جهل من ظن أو توهّم أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيا بعدد ، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه . هذا مع ما في الخبر الذي روي عن عائشة من العلّة التي في إسناده ، التي لا يجوز معها الاحتجاج به لأحد ممن علم صحيح سند الآثار وفاسدها في الدين . لأنّ راويه ممن لا يعرف في أهل الآثار ، وهو : جعفر بن محمد الزبيري . وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين ، بإحجامه عن التأويل ، فإنّ فعل من فعل ذلك منهم ، كفعل من أحجم منهم عن الفتيا في النّوازل والحوادث ، مع إقراره بأنّ اللّه جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه ، إلا بعد إكمال الدين به لعباده ، وعلمه بأن للّه في كل نازلة وحادثة حكما موجودا بنصّ أو دلالة ، فلم يكن إحجامه عن القول في ذلك إحجام جاحد أن يكون للّه فيه حكم موجود بين أظهر عباده ، ولكن إحجام خائف أن لا يبلغ في اجتهاده ما كلّف اللّه العلماء من عباده فيه . فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القليل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 44 .