قوله : « وما يعلم تأويله إلا اللّه » .
وأما القول الرابع فيرد عليه : أنه وإن أصاب في بعض كلامه لكنه أخطأ في بعضه الآخر ، فإنه وإن أصاب في القول : بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد لجميع القرآن ، وأن التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام ، لكنه أخطأ في عد كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية والمستقبلة تأويلا للكلام ، وفي حصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة .
توضيحه : أن المراد حينئذ من التأويل في قوله تعالى :
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
« إلخ » إما أن يكون تأويل القرآن برجوع ضميره إلى الكتاب فلا يستقيم قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
إلخ فإن كثيرا من تأويل القرآن وهو تأويلات القصص بل الأحكام أيضا ، وآيات الأخلاق مما يمكن أن يعلمه غيره تعالى وغير الراسخين في العلم من الناس حتى الزائغون قلبا على قوله ، فإن الحوادث التي تدل عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس من غير أن يحرم عنها بعضهم ، وكذا الحقائق الخلقية والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات والمعاملات وسائر الأمور المشرّعة .
وإن كان المراد بالتأويل فيه تأويل المتشابه فقط استقام الحصر في قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
إلخ ، وأفاد أن غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلا لا ينبغي لهم ابتغاء تأويله المتشابه ، وهو يؤدي إلى الفتنة وإضلال الناس ، لكن لا وجه لحصر التشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات والقيامة ، فإن الفتنة والضلال كما يوجد في تأويلها يوجد في تأويل غيرها من آيات الأحكام والقصص وغيرهما ، كأن يقول القائل ( وقد قيل ) : إن المراد من تشريع الأحكام إحياء الاجتماع الانسانيّ بإصلاح شأنه بما ينطبق على الصلاح ، فلو فرض أنّ صلاح المجتمع في غير الحكم المشرع ، أو أنه لا ينطبق على صلاح الوقت وجب اتباعه وإلغاء الحكم الديني المشرع ، وكأن يقول القائل ( وقد قيل ) إن المراد من كرامات الأنبياء المنقولة في القرآن أمور عادية ، وإنما نقل بألفاظ