تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
وأما القول الثاني فيرد عليه : أن لازمه وجود آيات في القرآن أريد بها معان يخالفها ظاهرها الذي يوجب الفتنة في الدين بتنافيه مع المحكمات ، ومرجعه إلى أن في القرآن اختلافا بين الآيات لا يرتفع إلا بصرف بعضها عن ظواهرها إلى معان لا يفهمها عامة الأفهام ، وهذا يبطل الاحتجاج الذي في قوله تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » ، إذ لو كان ارتفاع اختلاف آية مع آية بان يقال : إنه أريد بإحداهما أو بهما معا غير ما يدل عليه الظاهر ، بل معنى تأويلي باصطلاحهم لا يعلمه إلا اللّه سبحانه مثلا لم تنجح حجة الآية ، فان انتفاء الاختلاف بالتأويل باصطلاحهم في كل مجموع من الكلام ولو كان لغير اللّه أمر ممكن ، ولا دلالة فيه على كونه غير كلام البشر ، إذ من الواضح أن كل كلام حتى القطعي الكذب واللغو يمكن إرجاعه إلى الصدق والحق بالتأويل والصرف عن ظاهره ، فلا يدل ارتفاع الاختلاف بهذا المعنى عن مجموع كلام على كونه كلام من يتعالى عن اختلاف الأحوال ، وتناقض الآراء ، والسهو والنسيان والخطأ والتكامل بمرور الزمان كما هو المعني بالاحتجاج في الآية ، فالآية بلسان احتجاجها صريحة في أن القرآن معرض لعامة الأفهام ، ومسرح للبحث والتأمل والتدبر ، وليس فيه آية أريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام العربي ، ولا أن فيه أحجية وتعمية . وأما القول الثالث فيرد عليه : أن اشتمال الآيات القرآنية على معان مترتبة بعضها فوق بعض وبعضها تحت بعض مما لا ينكره إلا من حرم نعمة التدبر ، إلا أنها جميعا - وخاصة لو قلنا : إنها لوازم المعنى - مداليل لفظية مختلفة من حيث الانفهام وذكاء السامع المتدبر وبلادته ، وهذا لا يلائم قوله تعالى في وصف التأويل : وما يعلم تأويله إلا اللّه ، فان المعارف العالية والمسائل الدقيقة لا تختلف فيها الأذهان من حيث التقوى وطهارة النفس بل من حيث الحدة وعدمها ، وإن كانت التقوى وطهارة النفس معينين في فهم المعارف الطاهرة الإلهية ، لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية كما هو ظاهر
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية 82 .
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 200 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية