تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
« 1 » فتفسيره : أن المرصاد مفعال من قولهم : رصد يرصد إذا راقب ، وتأويله التحذير عن التهاون بأمر اللّه والغفلة عنه .
ومن جملتها : أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ والتأويل بيان المعنى المشكل .
ومن جملتها : أن التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية .
ومن جملتها : أن التفسير يتعلق بالاتباع والسماع والتأويل يتعلق بالاستنباط والنظر .
فهذه سبعة أقوال هي في الحقيقة من شعب القول الأول الذي نقلناه ، يرد عليها ما يرد عليه وكيف كان فلا يصح الركون إلى شيء من هذه الأقوال الأربعة وما ينشعب منها .
أما إجمالا : فلأنك قد عرفت : أن المراد بتأويل الآية ليس مفهوما من المفاهيم تدل عليه الآية سواء كان مخالفا لظاهرها أو موافقا ، بل هو من قبيل الأمور الخارجية ، ولا كل أمر خارجي حق يكون المصداق الخارجي للخبر تأويلا له ، بل أمر خارجي مخصوص نسبته إلى الكلام نسبة الممثل إلى المثل - بفتحتين - والباطن إلى الظاهر .
وأما تفصيلا فيرد على القول الأول : أن أقل ما يلزمه أن يكون بعض الآيات القرآنية لا ينال تأويلها أي المراد من مداليلها اللفظية عامة الأفهام ، وليس في القرآن آيات كذلك ، بل القرآن ناطق بأنه إنما أنزل قرآنا لتناله الأفهام ، ولا مناص لصاحب هذا القول إلا أن يختار أن الآيات المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطعة حيث لا ينال معانيها عامة الأفهام ، ويرد عليه : أنه لا دليل عليه ، ومجرد كون التأويل مشتملا على معنى الرجوع وكون التفسير . أيضا غير خال عن معنى الرجوع لا يوجب كون التأويل هو التفسير ، كما أن الام مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم ، والرئيس مرجع للمرءوس وليس بتأويل له .
على أن ابتغاء الفتنة عد في الآية خاصة مستقلة للتشابه وهو يوجد في غير فواتح السور ، فأن أكثر الفتن المحدثة في الإسلام إنما حدثت باتباع علل الأحكام وآيات الصفات وغيرها .
هامش
( 1 ) سورة الفجر : الآية 14 .