راجعا إلى غيره آئلا إليه ويؤال . فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل في كونه مآلا ومرجعا ، والتفضيل المطلق في ذلك يقتضى أن يكون هو السابق المبتدئ واللّه أعلم .
فتأويل الكلام ما أوله إليه المتكلم ، أو ما يؤوّل إليه الكلام ، أو ما تأوله المتكلم ، فإن التفعيل يجرى على غير فعل ، كقوله :
وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
« 1 » ، فيجوز أن يقال : تأول الكلام إلى هذا المعنى تأويلا ، والمصدر واقع موقع الصفة ، إذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى الفاعل ، كعدل وصوم وفطر ، وبمعنى المفعول كدرهم ضرب الأمير ، وهذا خلق اللّه .
فالتأويل : هو ما أول إليه الكلام أو يؤول إليه ، أو تأول هو إليه . والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويأول ويؤوّل إلى حقيقته التي هي عين المقصود به ، كما قال بعض السلف في قوله :
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
« 2 » قال : حقيقة ، فإنه إن كان خبرا فإلى الحقيقة المخبر بها يؤول ويرجع ، وإلا لم تكن له حقيقة ولا مآل ولا مرجع ، بل كان كذبا . وإن كان طلبا فإلى الحقيقة المطلوبة يؤول ويرجع ، وإن لم يكن مقصوده موجودا ولا حاصلا .
ومتى كان الخبر وعدا أو وعيدا فإلى الحقيقة المطلوبة المنتظرة يؤول ، كما روى عن النبي أنه تلا هذه الآية :
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً
« 3 » قال إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد » « 4 » » « 5 » .
قال الآلوسي في معنى التأويل : « والتأويل من الأول ؛ وهو الرجوع ، والقول : بأنه من
هامش
( 1 ) سورة المزمل : الآية 8 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية 67 .
( 3 ) سورة الأنعام : الآية 65 .
( 4 ) سلك ابن تيمية في تبيانه لمعنى كلمة « تأويل » في القرآن الكريم منهجا قويما أخذ به ابن تيمية في علاجه لكثير من المشكلات التي عرض لها ، وموقفه في بيان معنى هذه الكلمة يعتبر تطبيقا أمينا لمنهجه الذي يأخذ به . وهذا المنهج له ثلاث مراحل .
المرحلة الأولى : استقراء كامل للفظ في القرآن الكريم وبيان معناه خلال حكاية أقوال السلف له .
المرحلة الثانية : بيان معنى اللفظ في السنة النبوية وبأي معنى كان يستعمله الرسول . ثم الصحابة .
المرحلة الثالثة : بيان معنى اللفظ في اللغة التي نزل بها القرآن ولا ينتقل إلى المرحلة الثانية الا بعد الانتهاء من المرحلة الأولى . وهكذا الثالثة : فيكون ابن تيمية بذلك قد طبق منهجه الذي دعا إليه تطبيقا أمينا . حيث فسر القرآن بالقرآن ثم بالسنة . ثم باللغة . وكل واحدة من هذه المراحل تؤكد الأخرى وتقويها .
( 5 ) دقائق التفسير ج 1 ص 109 - 114 وتفسير الكبير ( ابن تيمية ) ج 2 ص 108 - 114 .