للحكم بأنها ليست بكلام إلهي نظرة .
وأما ما ذكرنا : أن روايات التحريف على تقدير صحة أسنادها مخالفة للكتاب ، فليس المراد به مجرد مخالفتها لظاهر قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 1 » ، وقوله :
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
« 2 » الآيتان ، حتى تكون مخالفة ظنية لكون ظهور الألفاظ من الأدلة الظنية ، بل المراد مخالفتها للدلالة القطعية من مجموع القرآن الذي بأيدينا حسب ما قررناه في الحجة الأولى التي أقمناها لنفي التحريف .
كيف لا ؟ والقرآن الذي بأيدينا متشابه الأجزاء في نظمه البديع المعجز كاف في رفع الاختلافات المتراءاة بين آياته وأبعاضه ، غير ناقص ولا قاصر في إعطاء معارفه الحقيقة وعلومه الإلهية الكلية والجزئية المرتبطة بعضها ببعض ، المترتبة فروعها على أصولها المنعطفة أطرافها على أوساطها ، إلى غير ذلك من خواص النظم القرآني الذي وصفه اللّه بها .
والجواب عن الوجه الثاني : أن دعوى الامتناع العادي مجازفة بيّنة ، نعم يجوز العقل عدم موافقة التأليف في نفسه للواقع إلا أن تقوم قرائن تدل على ذلك وهي قائمة كما قدمنا ، وأما أن يحكم العقل بوجوب مخالفتها للواقع كما هو مقتضى الامتناع العادي فلا .
والجواب عن الوجه الثالث : أن جمعه عليه السّلام القرآن وحمله إليهم وعرضه عليهم لا يدل على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شيء من الحقائق الدينية الأصلية أو الفرعية ، إلا أن يكون في شيء من ترتيب السور أو الآيات من السور التي نزلت نجوما بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينية .
ولو كان كذلك لعارضهم بالاحتجاج ودافع فيه ولم يقنع بمجرد إعراضهم عما جمعه واستغنائهم عنه كما روي عنه عليه السّلام في موارد شتى ، ولم ينقل عنه عليه السّلام فيما روي من احتجاجاته أنه قرأ في أمر ولايته ولا غيرها آية أو سورة تدل على ذلك ، وجبههم على إسقاطها أو تحريفها .
وهل كان ذلك حفظا لوحدة المسلمين وتحرزا عن شق العصا ؟ ! فإنما كان يتصور ذلك
هامش
( 1 ) سورة الحجر : الآية 9 .
( 2 ) سورة فصّلت : الآية 42 .