يتحدى به ولا ، ولا ، فما معنى الآيات الكثيرة التي تصف القرآن بأنه في لوح محفوظ ، وأنه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه قول فصل ، وأنه هدى ، وأنه نور ، وأنه فرقان بين الحق والباطل ، وأنه آية معجزة ، وأنه وأنه ؟ .
فهل يسعنا أن نقول : إن هذه الآيات على كثرتها وإباء سياقها عن التقييد مقيدة بالبعض ، فبعض الكتاب فقط وهو غير المنسي ومنسوخ التلاوة لا يأتيه الباطل وقول فصل وهدى ونور وفرقان ومعجزة خالدة ؟
وهل جعل الكلام منسوخ التلاوة ونسيا منسيا غير إبطاله وإماتته ؟ وهل صيرورة القول النافع بحيث لا ينفع للأبد ولا يصلح شأنا مما فسد غير إلغائه وطرحه وإهماله ؟ وكيف يجامع ذلك كون القرآن ذكرا ؟
فالحق ؛ أن روايات التحريف المروية من طرق الفريقين وكذا الروايات المروية في نسخ تلاوة بعض الآيات القرآنية مخالفة للكتاب مخالفة قطعية .
والجواب عن الوجه الرابع : أن أصل الأخبار القاضية بمماثلة الحوادث الواقعة في هذه الأمة لما وقع في بني إسرائيل مما لا ريب فيه ، وهي متظافرة أو متواترة ، لكن هذه الروايات لا تدل على المماثلة من جميع الجهات ، وهو ظاهر بل الضرورة تدفعه .
فالمراد بالمماثلة هي المماثلة في الجملة من حيث النتائج والآثار ، وحينئذ فمن الجائز أن تكون مماثلة هذه الأمة لبني إسرائيل في مسألة تحريف الكتاب إنما هي في حدوث الاختلاف والتفرق بين الأمة بانشعابها إلى مذاهب شتى يكفر بعضهم بعضا ، وافتراقها إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين ، واليهود إلى واحدة وسبعين ، وقد ورد هذا المعنى في كثير من هذه الروايات حتى ادعى بعضهم كونها متواترة .
ومن المعلوم أن الجميع مستندون فيما اختاروه إلى كتاب اللّه ، وليس ذلك إلا من جهة تحريف الكلم عن مواضعه ، وتفسير القرآن الكريم بالرأي ، والاعتماد على الأخبار الواردة في تفسير الآيات من غير العرض على الكتاب وتمييز الصحيح منها من السقيم .
وبالجملة أصل الروايات الدالة على المماثلة بين الأمتين لا يدل على شيء من
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 546
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٥٤٦