ومواد الدعوة لعلمهم بأنه لو بطلت حجة القرآن لفسد بذلك أمر النبوة واختل نظام الدين ، ولم يستقر من بنيته حجر على حجر .
والعجب من هؤلاء المحتجين بروايات منسوبة إلى الصحابة أو إلى أئمة أهل البيت عليهم السّلام على تحريف كتاب اللّه سبحانه وإبطال حجيته ، وببطلان حجة القرآن تذهب النبوة سدى والمعارف الدينية لغى لا أثر لها ، وما ذا يغني قولنا : إن رجلا في تاريخ كذا ادعى النبوة وأتى بالقرآن معجزة أما هو فقد مات وأما قرآنه فقد حرّف ، ولم يبق بأيدينا مما يؤيد أمره إلا أن المؤمنين به أجمعوا على صدقه في دعواه ، وأن القرآن الذي جاء به كان معجزا دالا على نبوته ، والإجماع حجة لأن النبي المذكور اعتبر حجيته ، أو لأنه يكشف مثلا عن قول أئمة أهل بيته ؟
وبالجملة احتمال الدس - وهو قريب جدا مؤيد بالشواهد والقرائن - يدفع حجية هذه الروايات ويفسد اعتبارها ، فلا تبقى معه لها لا حجية شرعية ولا حجية عقلائية ، حتى ما كان منها صحيح الاسناد فان صحة السند وعدالة رجال الطريق إنما يدفع تعمدهم الكذب دون دس غيرهم في أصولهم وجوامعهم ما لم يرووه .
وأما ما ذكرناه أن روايات التحريف تذكر آيات وسورا لا يشبه نظمها النظم القرآني بوجه ، فهو ظاهر لمن راجعها ، فإنها يعثر فيها بشيء كثير من ذلك كسورتي الخلع والحفد اللتين رويتا بعدة من طرق أهل السنة ، فسورة الخلع هي : « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ، ونثني عليك ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك » ، وسورة الحفد هي : « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ونخشى نقمتك إن عذابك بالكافرين ملحق » .
وكذا ما أورده بعض الروايات من سورة الولاية وغيرها أقاويل مختلفة رام واضعها أن يقلد النظم القرآني ، فخرج الكلام عن الأسلوب العربي المألوف ولم يبلغ النظم الإلهي المعجز ، فعاد يستبشعه الطبع وينكره الذوق ، ولك أن تراجعها حتى تشاهد صدق ما ادعيناه ، وتقضي أن أكثر المعتنين بهذه السور والآيات المختلفة المجعولة إنما دعاهم إلى ذلك التعبد الشديد بالروايات ، والإهمال في عرضها على الكتاب ، ولولا ذلك لكفتهم
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 543
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٥٤٣