فمجموع هذه الروايات على اختلاف أصنافها يدل دلالة قاطعة على أن الذي بأيدينا من القرآن هو القرآن النازل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، من غير أن يفقد شيئا من أوصافه الكريمة وآثارها وبركاتها .
الفصل - 3
ذهب جماعة من محدثي الشيعة والحشوية وجماعة من محدثي أهل السنة ، إلى وقوع التحريف بمعنى النقص والتغيير في اللفظ أو الترتيب دون الزيادة فلم يذهب إليها أحد من المسلمين كما قيل .
واحتجوا على نفي الزيادة بالإجماع وعلى وقوع النقص والتغيير بوجوه كثيرة .
أحدها : الأخبار الكثيرة المروية من طرق الشيعة وأهل السنة الدالة على سقوط بعض السور والآيات وكذا الجمل وأجزاء الجمل والكلمات والحروف ، في الجمع الأول الذي ألف فيه القرآن في زمن أبي بكر ، وكذا في الجمع الثاني الذي كان في زمن عثمان ، وكذا التغيير ، وهذه روايات كثيرة روتها الشيعة في جوامعها المعتبرة وغيرها ، وقد ادعى بعضهم أنها تبلغ ألفي حديث ، وروتها أهل السنة في صحاحهم كصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي وأحمد وسائر الجوامع وكتب التفاسير وغيرها ، وقد ذكر الآلوسي في تفسيره أنها فوق حد الإحصاء .
وهذا غير ما يخالف فيه مصحف عبد اللّه بن مسعود المصحف المعروف مما ينيف على ستين موضعا ، وما يخالف فيه مصحف أبي بن كعب المصحف العثماني وهو في بضع وثلاثين موضعا ، وما يختلف فيه المصاحف العثمانية التي اكتتبها وأرسلها إلى الآفاق ؛ وهي خمسة أو سبعة أرسلها إلى مكة وإلى الشام وإلى البصرة وإلى الكوفة وإلى اليمن وإلى البحرين ، وحبس واحدا بالمدينة ، والاختلاف الذي فيما بينها يبلغ خمسة وأربعين حرفا ، وقيل : بضعة وخمسون حرفا « 1 » .
وغير الاختلاف في الترتيب بين المصاحف العثمانية والجمع الأول في زمن أبي بكر ، فقد كانت سورة الأنفال في التأليف الأول في المثاني وسورة براءة في المئين ، وهما في
هامش
( 1 ) ذكره ابن طاوس في سعد السعود .