عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
« 1 » ، فذكر تعالى أن القرآن من حيث هو ذكر لا يغلبه باطل ولا يدخل فيه حالا ولا في مستقبل الزمان ، لا بإبطال ولا بنسخ ولا بتغيير أو تحريف يوجب زوال ذكريته عنه .
وكقوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 2 » ، فقد أطلق الذكر وأطلق الحفظ ، فالقرآن محفوظ بحفظ اللّه عن كل زيادة ونقيصة وتغيير في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذكرية ، ويبطل كونه ذكرا للّه سبحانه بوجه .
ومن سخيف القول ؛ إرجاع ضمير « له » إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإنه مدفوع بالسياق ، وإنما كان المشركون يستهزءون بالنبي لأجل القرآن الذي كان يدعي نزوله عليه ، كما يشير اليه بقوله سابقا :
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
« 3 » وقد مرّ تفسير الآية .
فقد تبين مما فصلناه ؛ أن القرآن الذي أنزل اللّه على نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووصفه بأنه ذكر محفوظ على ما أنزل ، مصون بصيانة إلهية عن الزيادة والنقيصة والتغيير كما وعد اللّه نبيه فيه .
وخلاصة الحجة ؛ أن القرآن أنزله اللّه على نبيه ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصة ، لو كان تغير في شيء من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثر ، فقد آثار تلك الصفة قطعا ، لكنا نجد القرآن الذي بأيدينا واجدا لآثار تلك الصفات المعدودة على أتم ما يمكن وأحسن ما يكون ، فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئا من صفاته ، فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعينه ، فلو فرض سقوط شيء منه أو تغير في إعراب أو حرف أو ترتيب وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شيء من أوصافه ؛ كالإعجاز وارتفاع الاختلاف والهداية والنورية والذكرية والهيمنة على سائر الكتب السماوية إلى غير ذلك ، وذلك كآية مكررة ساقطة أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها .
الفصل - 2
ويدل على عدم وقوع التحريف الأخبار الكثيرة المروية عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من طرق الفريقين ، الآمرة بالرجوع إلى القرآن عند الفتن وفي حل عقد المشكلات .
هامش
( 1 ) سورة فصّلت : الآية 42 .
( 2 ) سورة الحجر : الآية 9 .
( 3 ) سورة الحجر : الآية 6 .