والعقل يعرفون من شرف القرآن وعلو منزلته ، ما يوجبه الحق والإنصاف والديانة ، وينفون عنه قول المبطلين ، وتمويه الملحدين وتحريف الزائغين ، حتى نبع في زماننا هذا زائغ زاغ عن الملة ، وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال اللّه يؤيدها ، ويثبت أسها ، وينمى فرعها ، ويحرسها من معايب أولى الحنف والحور ، ومكايد أهل العداوة والكفر .
فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان رضى اللّه عنه - باتفاق أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على تصويبه فيما فعل - لا يشتمل على جميع القرآن ، إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف ، قد قرأت ببعضها وسأقرأ ببقيتها ، فمنها : « والعصر ونوائب الدهر » فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين « ونوائب الدهر » . ومنها : « حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس وما كان اللّه ليهلكها إلا بذنوب أهلها » . فادعى هذا الإنسان أنه سقط على أهل الإسلام من القرآن : « وما كان اللّه ليهلكها إلا بذنوب أهلها » ، وذكر مما يدعى حروفا كثيرة .
وادّعى أن عثمان والصحابة رضى اللّه عنهم زادوا في القرآن ما ليس فيه ، فقرأ في صلاة الفرض ، والناس يسمعون : « اللّه الواحد الصمد » فأسقط من القرآن « قل هو » وغيّر لفظ « أحد » وادعى أن هذا هو الصواب والذي عليه الناس هو الباطل والمحال ، وقرأ في صلاة الفرض : « قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون » وطعن في قراءة المسلمين .
وادعى أن المصحف الذي في أيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيرة ، منها :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 1 » ؛ فادعى أن الحكمة والعزة لا يشاكلان المغفرة ، وأن الصواب : « وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم » .
وترامى به الغى في هذا وأشكله حتى ادعى أن المسلمين يصحفون :
وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً
« 2 » والصواب الذي لم يغير عنده : « وكان عبد اللّه وجيها » ، وحتى قرأ في صلاة مفترضة على ما أخبرنا جماعة سمعوه وشهدوه : « لا تحرك به لسانك إن علينا جمعه وقراءته فإذا قرأناه فاتبع قراءته ثم إن علينا نبأه به » . وحكى لنا آخرون عن آخرين أنهم
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 118 .
( 2 ) سورة الأحزاب : الآية 69 .