الآن ، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وان كان يعرض على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويتلى عليه ، وان جماعة من الصحابة مثل : عبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ، ختموا القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عدة ختمات ، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير مبتور ولا مبثوث ، وذكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا اخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته » « 1 » .
قال القرطبي في ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان :
« لا خلاف بين الأمة ولا بين الأئمة أهل السنة ، أن القرآن اسم لكلام اللّه تعالى الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم معجزة له - على نحو ما تقدم - وأنه محفوظ في الصدور ، مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف ؛ معلومة على الاضطرار سوره وآياته ، مبراة من الزيادة والنقصان حروفه وكلماته ؛ فلا يحتاج في تعريفه بحدّ ، ولا في حصره بعد ، فمن ادعى زيادة عليه أو نقصانا منه ، فقد أبطل الإجماع ، وبهت الناس ، ورد ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من القرآن المنزل عليه ، ورد قوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 2 » ، وأبطل آية رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه إذ ذاك يصير القرآن مقدورا عليه ، حين شيب بالباطل ، ولما قدر عليه لم يكن حجة ولا آية ، وخرج عن أن يكون معجزا .
فالقائل بأن القرآن فيه زيادة ونقصان ؛ راد لكتاب اللّه ولما جاء به الرسول ، وكان كمن قال : الصلوات المفروضات خمسون صلاة ، وتزوج تسع من النساء حلال ، وفرض اللّه أياما مع شهر رمضان ، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين ، فإذا رد هذا بالإجماع ، كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد وألزم وأوجب .
قال الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري : ولم يزل أهل الفضل
هامش
( 1 ) مجمع البيان ج 1 ص 83 - 84 .
( 2 ) سورة الإسراء : الآية 88 .