آياتها ، ومن نظر كتابي هذا مع غيره علم النسبة بينهما ، واللّه الموفق . وبهذا العلم يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب ، [ وذلك - ] أنه يكشف أن للإعجاز طريقين ؛ أحدهما : نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب ، والثاني نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب ، والأول أقرب تناولا وأسهل ذوقا ، فإن كل من سمع القرآن من ذكي وغبي يهتزّ لمعانيه ، وتحصل له عند سماعه روعة « 1 » بنشاط ورهبة مع انبساط لا تحصل « 2 » عند سماع غيره ، وكلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز ، ثم إذا عبر الفطن من ذلك إلى تأمل ربط كل جملة بما تلته « 3 » وما تلاها خفي عليه وجه ذلك ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد فظن أنها متنافرة ، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط « 4 » ، ربما « 5 » شككه ذلك [ بكثير - 1 ] وزلزل إيمانه وزحزح إيقانه ، وربما وقف مكيس من أذكياء المخالفين عن الدخول في هذا الدين بعد ما وضحت لديه دلائله وبرزت له من حجالها دقائقه وجلائله ، لحكمة أرادها منزله وأحكمها مجمله ومفصله ، فإذا استعان باللّه « 6 » وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز والوثوق بأنه في الذروة من أحكام الربط كما كان في الأوج من حسن المعنى واللفظ ، لكونه كلام من جل عن شوائب النقص وحاز صفات الكمال إيمانا بالغيب وتصديقا للرب ، قائلا [ ما - ] قال الراسخون في العلم :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
« 7 » فانفتح له ذلك الباب ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار ، رقص الفكر منه طربا وشكر اللّه استغرابا وعجبا ، وشاط « 8 » لعظمة ذلك جنانه فرسخ من غير مرية « 9 » [ إيمانه - ] ، ورأى أن المقصود بالترتيب معان جليلة الوصف بديعة الرصف « 10 » عالية « 11 » الأمر عظيمة القدر ، مباعدة لمعاني الكلام على
هامش
( 1 ) في نسخة : روحة .
( 2 ) في نسخة : لا يحصل .
( 3 ) وقع في الأصل فقط : تلقه - محرفا .
( 4 ) في نسخة : النشاط .
( 5 ) في نسخة : فربما ، وفي الأصل : بما .
( 6 ) في نسخة : اللّه - بدون حرف الجر .
( 7 ) سورة آل عمران ، الآية 8 .
( 8 ) أي احترق ، وفي نسخة : طاش ، أي ذهب .
( 9 ) في نسخة : مريبة .
( 10 ) في النسخ كلها : الوصف ، والصحيح : الرصف ، أي ضم البعض إلى البعض .
( 11 ) في نسخة : عليته .