وأما قوله : سلمناه ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك ؟ ، فمقلوب على نفسه ، فمن أين لهذا القائل . أن الواقع في نفس الأمر كما يدعيه وقد عرفت الشواهد على خلاف ما يدّعيه ؟ ! وأما قوله : إنه يكفي في تحقق التواتر أن يحفظ الكل كل القرآن على سبيل التوزيع ، فمغالطة واضحة ، لأنه إنما يفيد كون مجموع القرآن من حيث المجموع منقولا بالتواتر ، وأما كون كل واحدة من الآيات القرآنية محفوظة من حيث محلها وموضعها بالتواتر فلا ، وهو ظاهر .
ونقل في الإتقان عن البغوي أنه قال في شرح السنة : الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله اللّه على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا ، خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته ، فكتبوه كما سمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غير أن قدموا شيئا أو أخروه أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك ، وإعلامه عند نزول كل آية هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا .
فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه ، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب ، أنزله اللّه جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة ، وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة انتهى .
ونقل عن ابن الحصار أنه قال : ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي ؛ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ضعوا آية كذا في موضع كذا ، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف انتهى ، ونقل أيضا ما يقرب من ذلك عن جماعة غيرهم كالبيهقي والطيبي وابن حجر .
أما قولهم : إن الصحابة إنما كتبوا المصحف على الترتيب الذي أخذوه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من غير أن يخالفوه في شيء ، فمما لا يدل عليه شيء من الروايات المتقدمة ، وإنما المسلم من دلالتها أنهم إنما أثبتوا ما قامت عليه البينة من متن الآيات ، ولا إشارة في
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 455
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٤٥٥