سورة مدنيّة ، اللهم إلا أن يفرض سورة نزل بعضها بمكة وبعضها بالمدينة ، ولا يتحقق هذا الفرض إلا في سورة واحدة .
ولازم ذلك أن يكون ما نشاهده من اختلاف مواضع الآيات مستندا إلى اجتهاد من الصحابة .
توضيح ذلك : أن هناك ما لا يحصى من روايات أسباب النزول يدل على كون آيات كثيرة في السور المدنية نازلة بمكة وبالعكس ، وعلى كون آيات من القرآن نازلة مثلا في أواخر عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهي واقعة في سور نازلة في أوائل الهجرة ، وقد نزلت بين الوقتين سور أخرى كثيرة ، وذلك كسورة البقرة التي نزلت في السنة الأولى من الهجرة وفيها آيات الربا ، وقد وردت الروايات على أنها من آخر ما نزلت على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى ورد عن عمر أنه قال : مات رسول اللّه ولم يبين لنا آيات الربا ، وفيها قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
« 1 » ، وقد ورد أنها آخر ما نزل من القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
فهذه الآيات النازلة مفرقة الموضوعة في سور لا تجانسها في المكية والمدنية موضوعة في غير موضعها بحسب ترتيب النزول وليس إلا عن اجتهاد من الصحابة .
ويؤيد ذلك ما في الإتقان عن ابن حجر : وقد ورد عن علي ؛ أنه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أخرجه ابن أبي داود وهو من مسلمات مداليل روايات الشيعة .
هذا ما يدل عليه ظاهر روايات الباب المتقدمة ، لكن الجمهور أصرّوا على أن ترتيب الآيات توقيفي ، فآيات المصحف الدائر اليوم وهو المصحف العثماني مرتبة على ما رتبها عليه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بإشارة من جبريل ، وأوّلوا ظاهر الروايات بأن جمع الصحابة لم يكن جمع ترتيب ، وإنما كان جمعا لما كانوا يعلمونه ويحفظونه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من السور وآياتها المرتبة ، بين دفتين وفي مكان واحد .
وأنت خبير بأن كيفية الجمع الأول الذي تدلّ عليها الروايات تدفع هذه الدعوى دفعا صريحا .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 281 .