تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
وربما استدل عليه بما ادّعاه بعضهم من الاجماع على ذلك ، فقد نقل السيوطيّ في الاتقان عن الزركشي دعوى الإجماع عليه ، وعن أبي جعفر بن الزبير : نفى الخلاف فيه بين المسلمين ، وهو إجماع منقول لا يعتمد عليه بعد وجود الخلاف في أصلى التحريف ودلالة ما تقدم من الروايات على خلافه . وربما استدل عليه بالتواتر ، ويوجد ذلك في كلام كثير منهم ادّعوا تواتر الترتيب الموجود عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهو عجيب ، وقد نقل في الإتقان بعد نقله ما رواه البخاري وغيره بعدة طرق عن أنس أنه قال : مات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ، وفي رواية « أبي بن كعب » بدل أبي الدرداء وعن المازري أنه قال : وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسّك لهم فيه ، فإنا لا نسلم حمله على ظاهره ، سلمناه ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك ؟ سلمناه لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير ، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه ، بل إذا حفظ الكلّ الكل ولو على التوزيع كفى ، انتهى . أما دعواه أن ظاهر كلام أنس غير مراد ، فهو مما لا يصغى إليه في الأبحاث اللفظية المبنية على ظاهر اللفظ إلا بقرينة من نفس كلام المتكلم أو ما ينوب منابه ، أما مجرد الدعوى والاستناد إلى قول آخرين فلا . على أنه لو حمل كلام أنس على خلاف ظاهره ، كان من الواجب أن يحمل على أن هؤلاء الأربعة إنما جمعوا في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معظم القرآن وأكثر سوره وآياته ، لا على أنهم وغيرهم من الصحابة جمعوا جميع القرآن على ما في المصحف العثماني ، وحفظوا ترتيب سوره وآياته وضبطوا موضع كل واحدة واحدة منها عن آخرها ، فهذا زيد بن ثابت نفسه - وهو أحد الأربعة المذكورين في حديث أنس والمتصدي للجمع الأول والثاني كليهما - يصرّح في رواياته ؛ أنه لم يحفظ جميع الآيات . ونظيره ما في الاتقان عن ابن أشتة في المصاحف بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال : مات أبو بكر ولم يجمع القرآن ، وقتل عمر ولم يجمع القرآن .