تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ، ثم منها على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تدريجا . وثالثا : أن وقوع بعض الآيات القرآنية التي نزلت متفرقة موقعها الذي هي فيه الآن لم يخل عن مداخلة من الصحابة بالاجتهاد ، كما هو ظاهر روايات الجمع الأول وقد تقدمت . وأما رواية عثمان بن أبي العاص عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
الآية فلا تدلّ على أزيد من فعله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في بعض الآيات في الجملة لا بالجملة ، وعلى تقدير التسليم لا دلالة لما بأيدينا من الروايات المتقدمة على مطابقة ترتيب الصحابة ترتيبه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومجرّد حسن الظن بهم لا يسمح للروايات بدلالة تدلّ بها على ذلك ، وإنما يفيد أنهم ما كانوا ليعمدوا إلى مخالفة ترتيبه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما علموه لا فيما جهلوه . وفي روايات الجمع الأول المتقدمة أوضح الشواهد على أنهم ما كانوا على علم بمواضع جميع الآيات ولا بنفسها . ويدلّ على ذلك الروايات المستفيضة التي وردت من طرق الشيعة وأهل السنة ؛ أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمؤمنين إنما كانوا يعلمون تمام السورة بنزول البسملة ، كما رواه أبو داود والحاكم والبيهقي والبزّار من طريق سعيد بن جبير - على ما في الإتقان - عن ابن عباس قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه ( بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ) ، وزاد البزّار : فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقبلت أو ابتدأت سورة أخرى . وأيضا عن الحاكم من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس قال : كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل ( بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ) فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت ، إسناده على شرط الشيخين . وأيضا عنه من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا جاءه جبريل فقرأ ( بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ) علم أنها سورة ، إسناده صحيح . أقول : وروي ما يقرب من ذلك في عدة روايات أخر وروي ذلك من طرق الشيعة عن الباقر عليه السّلام . والروايات - كما ترى - صريحة في دلالتها على أن الآيات كانت مرتّبة عند النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بحسب ترتيب النزول ، فكانت المكيّات في السورة المكيّة والمدنيّات في