المحفوظ المستفيض عن النبي صلّى اللّه عليه وآله عن اللّه تعالى ، أجل انعقد الإجماع على ذلك تاما لا ريب فيه . وممن حكى هذا الإجماع جماعة ، منهم : الزركشي في البرهان ، وأبو جعفر في المناسبات ، إذ يقول ما نصه : ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلّى اللّه عليه وآله وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين .
وأما ترتيب السور ففيه ثلاثة أقوال :
الأول : إن ترتيب السور على ما هو عليه الآن لم يكن بتوقيف من النبي صلّى اللّه عليه وآله إنما كان باجتهاد من الصحابة ، وينسب هذا القول إلى جمهور العلماء .
القول الثاني : إن ترتيب السور كلها توقيفى بتعليم الرسول صلّى اللّه عليه وآله كترتيب الآيات ، وإنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر منه صلّى اللّه عليه وآله . واستدل أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد .
وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف ، لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم ، لكنهم لم يتمسكوا بها ، بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم ، وعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها ، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعا ، ثم ساقوا روايات لمذهبهم كأدلة يستند إليها الإجماع .
منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن حذيفة الثقفي ، قال : كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف ، إلى أن جاء في هذه الرواية ما نصه : فقال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله طرأ عليّ حزب من القرآن فأردت ألّا أخرج حتى أقضيه ( أي : أقرأه بتمامه ) . فسألنا أصحاب رسول اللّه قلنا : كيف تحزبون القرآن ؟ قالوا : نحزّبه ثلاث سور . وخمس سور ، وسبع سور ، وتسع سور ، وإحدى عشرة سورة ، وثلاث عشرة . وحزب المفصّل من ( ق ) حتى نختم . قالوا : فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .
واحتجوا لمذهبهم أيضا بأن السور المتجانسة في القرآن لم يلتزم فيها الترتيب والولاء .
ولو كان الأمر بالاجتهاد للوحظ مكان هذا التجانس والتماثل دائما . لكن ذلك لم يكن ؛ بدليل أن سور المسبحات لم ترتب على التوالي بينما هي متماثلة في افتتاح كل منها
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 458
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٤٥٨