يكون متواترا في أصله وأجزائه ، وأما في محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من أهل السنة كذلك ، إذ الدواعي تتوفر على نقله على وجه التواتر ، وما قيل : التواتر شرط في ثبوته بحسب أصله وليس شرطا في محله ووضعه وترتيبه فضعيف ، لأنه لو لم يشترط التواتر في المحل جاز أن لا يتواتر كثير من المكررات الواقعة في القرآن ، وما لم يتواتر يجوز سقوطه » وهو يعنى بالقرآن ألفاظ آياته ومحلها دون ترتيب السور .
قال ابن بطّال « 1 » : « لا نعلم أحدا قال بوجوب القراءة على ترتيب السور في المصحف ، بل يجوز أن تقرأ الكهف قبل البقرة ، وأما ما جاء عن السلف من النهى عن قراءة القرآن منكسا ، فالمراد منه أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها » . قلت : أو يحمل النهي على الكراهة .
واعلم أن معنى الطولي والقصري في السور مراعى فيه عدد الآيات لا عدد الكلمات والحروف . وأن الاختلاف بينهم في تعيين المكي والمدني من سور القرآن خلاف ليس بكثير . وأن ترتيب المصحف تخللت فيه السور المكية والمدنية . وأما ترتيب نزول السور المكية ونزول السور المدنية ففيه ثلاث روايات ، إحداها - رواية مجاهد عن ابن عباس ، والثانية رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس ، والثالثة لجابر بن زيد ولا تكون إلا عن ابن عباس ، وهي التي اعتمدها الجعبري في منظومته التي سماها « تقريب المأمول في ترتيب النزول » وذكرها السيوطي في الإتقان ، وهي التي جرينا عليها في تفسيرنا هذا » « 2 » .
قال ابن عاشور : « أما ترتيب آيات السورة ، فإن التنجيم في النزول من المعلوم كما تقدم آنفا ، وذلك في آياته وسوره فربما نزلت السورة جميعا دفعة واحدة كما نزلت سورة الفاتحة وسورة المرسلات من السور القصيرة ، وربما نزلت نزولا متتابعا كسورة الأنعام ، وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ، وربما نزلت السورة مفرقة ونزلت السورتان مفرقتان في أوقات متداخلة ، روى الترمذي عن ابن عباس عن عثمان بن عفان قال « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد - أي في أوقات متقارنة - فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب
هامش
( 1 ) هو علي بن خلف بن بطال القرطبي ثم البلنسي المالكي المتوفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة ، له شرح على صحيح البخاري .
( 2 ) التحرير والتنوير ج 1 ص 86 - 90 .