وظاهر الأثر أن السبع الطوال والحواميم والمفصل كانت مرتبة في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان من السور ما لم يرتب فذلك هو الذي رتب وقت كتابة المصحف .
أقول : لا شك أنّ طوائف من سور القرآن كانت مرتبة في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ترتيبها في المصحف الذي بأيدينا اليوم ، الذي هو نسخة من المصحف الإمام ، الذي جمع وكتب في خلافة أبي بكر الصديق ، ووزعت على الأمصار نسخ منه في خلافة عثمان ذي النورين ، فلا شك في أنّ سور المفصل كانت هي آخر القرآن ، ولذلك كانت سنة قراءة السورة في الصلوات المفروضة ؛ أن يكون في بعض الصلوات من طوال المفصل وفي بعضها من وسط المفصل وفي بعضها من قصار المفصل . وأن طائفة السور الطولى الأوائل في المصحف كانت مرتبة في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أول القرآن . والاحتمال فيما عدا ذلك .
وأقول : لا شك في أن زيد بن ثابت وعثمان بن عفان وهما من أكبر حفاظ القرآن من الصحابة ، توخّيا ما استطاعا ترتيب قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للسور ، وترتيب قراءة الحفاظ التي لا تخفى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان زيد بن ثابت من أكبر حفاظ القرآن وقد لازم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مدة حياته بالمدينة ، ولم يتردد في ترتيب سور القرآن على نحو ما كان يقرؤها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين نسخ المصاحف في زمن عثمان .
ذلك أن القرآن حين جمع في خلافة أبي بكر لم يجمع في مصحف مرتب ، وإنما جعلوا لكل سورة صحيفة مفردة ولذلك عبروا عنها بالصحف ، وفي موطأ ابن وهب عن مالك أن ابن عمر قال : « جمع أبو بكر القرآن في قراطيس » . وكانت تلك الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة بنت عمر أمّ المؤمنين ، بسبب أنها كانت وصيّة أبيها على تركته ، فلما أراد عثمان جمع القرآن في مصحف واحد أرسل إلى حفصة فأرسلت بها إليه ، ولما نسخت في مصحف واحد أرجع الصحف إليها ، قال في فتح الباري : « وهذا وقع في رواية عمارة ابن غزية أن زيد بن ثابت قال : أمرني أبو بكر فكتبت في قطع الأديم والعسب فلما هلك أبو بكر وكان عمر ، كتبت ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده » والأصح أن القرآن جمع في زمن أبو بكر في مصحف واحد .
وقد يوجد في آي من القرآن ما يقتضي سبق سورة على أخرى مثل قوله في سورة
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 445
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٤٤٥