الجزم بالفصل بينهما تحريا . وفي باب تأليف القرآن من صحيح البخاري عن عبد اللّه بن مسعود أنه ذكر النظائر التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤهن في كل ركعة ، فسئل علقمة عنها فقال : عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود ، آخرها من الحواميم حم الدخان وعمّ يتساءلون ، على أن الجمهور جزموا بأن كثيرا من السور كان مرتبا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
ثم اعلم أن ظاهر حديث عائشة رضي اللّه عنها في صحيح البخاري في باب تأليف القرآن أنها لا ترى القراءة على ترتيب المصحف أمرا لازما ، فقد سألها رجل من العراق أن تريه مصحفها ليؤلّف عليه مصحفه فقالت : « وما يضرك أيّة آية قرأت قبل ، إنما نزل أول ما نزل منه سورة فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام » وفي صحيح مسلّم عن حذيفة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى بالبقرة ثم بالنساء ثم بآل عمران في ركعة قال عياض في الإكمال « هو دليل لكون ترتيب السورة وقع باجتهاد الصحابة حين كتبوا المصحف ، وهو قول مالك رحمه اللّه وجمهور العلماء » وفي حديث صلاة الكسوف ؛ أن النبي قرأ فيها بسورتين طويلتين ، ولما كانت جهرية فإن قراءته تينك السورتين لا تخفى على أحد ممن صلّى معه ، ولذلك فالظاهر ؛ أن تقديم سورة آل عمران على سورة النساء في المصحف الإمام ما كان إلا اتباعا لقراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما قرأها النبي كذلك إما لأن سورة آل عمران سبقت في النزول سورة النساء التي هي من آخر ما أنزل ، أو لرعى المناسبة بين سورة البقرة وسورة آل عمران في الافتتاح بكلمة ألم ، أو لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصفهما وصفا واحدا ، « ففي حديث أبي أمامة ، أن النبي قال اقرءوا الزّهراوين البقرة وآل عمران وذكر فضلهما يوم القيامة » ، أو لما في صحيح مسلّم أيضا عن حديث النوّاس ابن سمعان : أن النبي قال : « يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران ، وضرب لهما ثلاثة أمثال » الحديث . ووقع في تفسير شمس الدين محمود الأصفهاني الشافعي « 1 » ، في المقدمة الخامسة من أوائله : « لا خلاف في أن القرآن يجب أن
هامش
( 1 ) هو محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني الشافعي المتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة ، جمع في تفسيره الكشاف ، ومفاتيح الغيب ، وهو مخطوط بالمكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة بتونس .