بالمدينة ، فلا يكون ذلك إلا لمناسبة بينها وبين آي تلك السورة والتشابه في أسلوب النظم ، وإنما تأخر نزول تلك الآية عن نزول أخواتها من سورتها لحكمة اقتضت تأخرها ، ترجع غالبا إلى حدوث سبب النزول ، كما سيأتي قريبا .
ولما كان تعيين الآيات التي أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بوضعها في موضع معين غير مروي إلا في عدد قليل ، كان حقا على المفسر أن يتطلب مناسبات لمواقع الآيات ما وجد إلى ذلك سبيلا موصلا ، وإلا فليعرض عنه ولا يكن من المتكلفين .
إن الغرض الأكبر للقرآن هو إصلاح الأمة بأسرها . فإصلاح كفارها بدعوتهم إلى الإيمان ونبذ العبادة الضالة واتباع الإيمان والإسلام ، واصلاح المؤمنين بتقويم أخلاقهم وتثبيتهم على هداهم وإرشادهم إلى طرق النجاح وتزكية نفوسهم ، ولذلك كانت أغراضه مرتبطة بأحوال المجتمع في مدة الدعوة ، فكانت آيات القرآن مستقلا بعضها عن بعض ، لأن كل آية منه ترجع إلى غرض الإصلاح والاستدلال عليه ، وتكميله وتخليصه من تسرب الضلالات إليه فلم يلزم أن تكون آياته متسلسلة ، ولكن حال القرآن كحال الخطيب يتطرق إلى معالجة الأحوال الحاضرة على اختلافها وينتقل من حال إلى حال بالمناسبة ، ولذلك تكثر في القرآن الجمل المعترضة لأسباب اقتضت نزولها أو بدون ذلك ، فإن كل جملة تشتمل على حكمة وإرشاد أو تقويم معوج ، كقوله :
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ
- إلى قوله -
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ
« 1 » فقوله :
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
جملة معترضة « 2 » .
قال ابن عاشور : « وأما ترتيب السور بعضها إثر بعض ، فقال أبو بكر الباقلاني : يحتمل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي أمر بترتيبها كذلك ، ويحتمل أن يكون ذلك من اجتهاد الصحابة ، وقال الداني : كان جبريل يوقف رسول اللّه على موضع الآية وعلى موضع السورة .
وفي المستدرك عن زيد بن ثابت أنه قال : « كنا عند رسول اللّه نؤلف القرآن من الرقاع » قال البيهقي : تأويله أنهم كانوا يؤلفون آيات السور . ونقل ابن عطية عن الباقلاني الجزم بأن ترتيب السور بعضها إثر بعض هو من وضع زيد بن ثابت بمشاركة عثمان ، قال ابن عطية :
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 72 و 73 .
( 2 ) التحرير والتنوير ج 1 ص 79 - 81 .