مطلب توزيع نسخ القرآن وأمر الناس بقراءتها :
ولما ولي عثمان رضي اللّه عنه وصار يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان سنة 25 من الهجرة ، طلبها من السيدة حفصة بتكليف من حذيفة اليماني وغيره من الأصحاب الكرام فأعطتها ، وبعد الاستشارة بينهم انتصر رأيهم الصائب على نسخها في المصاحف بمعرفة الأمناء الصادقين ، زيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير ، وسعيد ابن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأمرهم عند الاختلاف في شيء من ألفاظه أن يكتب بلسان قريش لنزوله بلغتهم ، فنسخوا ستة مصاحف أرسل واحدا منها إلى الشام ، وواحدا إلى الكوفة ، وواحدا إلى البصرة ، وواحدا إلى مكة ، وأبقى واحدا لنفسه ، وواحدا لأهل المدينة ، ومن قال : ان النسخ سبع ، قال : أرسل السابعة لأهل البحرين ، ثم أمر بحرق ما سواها من الصحف المتفرقة لئلا يقع خلاف بين القراء ، ولتتحد القراءات على نمط واحد كما أنزل .
ولهذا وصم عثمان رضي اللّه عنه بعض المارقين بحرّاق المصاحف ، نسأل اللّه أن يحرق المارق بناره لأن عثمان رضي اللّه عنه لم يرد بذلك إلا الخير ، وكان سعى الصحابة بجمعه بموضع واحد بين دفتين لا غير ، وزادهم عثمان بنسخه والأمر بالتقيد بما نسخوه ، ومنع ما سواه من مراجعة الصحف واللخاف وغيرها ، وإرسال نسخ منه للبلاد الإسلامية ، فالفرق بين جمعهم وجمعه هو ذلك لا غير .
قال زيد بن ثابت : « فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع الرسول يقرؤها :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
« 1 » الآية ، وقد وجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول اللّه شهادته شهادة رجلين ، ويعرف بذى الشهادتين فألحقتها بسورتها ، ووجدت آخر سورة التوبة :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
« 2 » مع خزيمة أو أبي خزيمة بن أوس بن زيد الأنصاري غير خزيمة الأول فألحقتها بسورتها ، وذلك بسبب تفتت بعض اللخاف المسطورتين عليها ، وهو يعرفها لأنه أحد الحافظين الأربعة ، وانه كان ينسخ لنفسه ما ينسخه لحضرة الرسول ، فيعرف ما ينقص من آي التنزيل ويعلم
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 23 .
( 2 ) سورة التوبة : الآية 128 .