رسول اللّه قال : جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فرأيت شيئا ، فأتيت خديجة ، فقلت : دثروني فدثروني وصبوا علي ماء باردا
- فيه أن من يفزع ينبغي أن يصب عليه الماء البارد ليسكن خوفه -
فنزلت
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
،
وذلك قبل أن تفرض الصلاة ،
وفي رواية فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه وقال : فإذا هو قاعد على عرش في الهواء - يعني جبريل - فأخذتني رجفة شديدة
- والمراد بالعرش هنا السرير والكرسي المبين في الحديث الآتي -
ورويا عن جابر في رواية الزهري عن ابن سلمة رضي اللّه عنهما قال سمعت : رسول اللّه يحدث عن فترة الوحي ، فقال لي في حديثه : بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض فجئثت
- بجيم مضمومة وهمزة مكسورة وثاء ساكنة وتاء مضمومة وروي بتاءين ومعناه : رعبت وفزعت -
منه رعبا ، فقلت زملوني زملوني ، فدثروه فأنزل اللّه عز وجل :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
قال : ثم حمى الوحي بعده وتتابع .
واعلم ! ان هذين الحديثين لا يتعارضان مع حديث عائشة المتقدم ذكره ، بأن أول ما نزل مبادئ سورة اقرأ ، لأن ما جاء في هذين الحديثين من أن أول سورة نزلت هي المدثر لا يصح ، لأن قوله في الحديث الأول وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
يدل على تقدم الوحي على هذا الحديث .
وقوله في الحديث الثاني : فإذا الملك الذي جاءني بحراء ،
يدل على صحة ما جاء في حديث عائشة أيضا ، وان أول ما نزل هو
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
،
وقوله فيه أيضا : ثم حمي الوحي وتتابع ،
أي بعد ما فتر ، وبعد نزول
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
نزلت
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
وبهذا يحصل الجمع والتوفيق بين الحديثين المذكورين ، وحديث عائشة المتقدم هو الصواب الذي لا مرية فيه والمجمع عليه على الاطلاق ، ومعنى فترة الوحي احتباسه وعدم تواليه ، ومعنى حمي الوحي كثر نزوله ، وحديث عائشة هذا يعد من مراسيل الصحابة لأنها لم تدرك هذه القصة فلا بد أنها سمعتها من حضرة الرسول أو من ثقات أصحابه ، ومرسل الصحابي حجّة عند جميع العلماء ولا سيما السيدة عائشة التي كان ينزل الوحي في فراشها وهي مع النبي بخلاف بقية نسائه ،