العلوم على ثلاثة أجناس هي المقصود الأول :
أحدها - معرفة المتوجه إليه وهو اللّه المعبود ، سبحانه .
والثاني - معرفة كيفية التوجه إليه .
والثالث - معرفة مآل العبد ليخاف اللّه به ويرجوه .
وهذه الأجناس الثلاثة داخلة تحت جنس واحد هو المقصود الذي عبر عنه قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » فالعبادة هي المطلوب الأول . غير أنه لا يمكن إلا بمعرفة المعبود . إذ المجهول لا يتوجه إليه ولا يقصد بعبادة ولا بغيرها . فإذا عرف ، ومن جملة المعرفة به أنه آمر وناه وطالب للعباد بقيامهم بحقه ، توجه الطلب . إلا أنه لا يتأتى دون معرفة كيفية التعبد ، فجىء بالجنس الثاني . ولما كانت النفوس من شأنها طلب النتائج والمآلات ، وكان مآل الأعمال عائدا على العالمين بحسب ما كان منهم من طاعة أو معصية ، وانجرّ ، مع ذلك ، التبشير والإنذار في ذكرها - أتى بالجنس الثالث موضحا لهذا الطرف ، وأن الدنيا ليست بدار إقامة ، وإنما الإقامة في الدار الآخرة .
فالأول - يدخل تحته علم الذات والصفات والأفعال . ويتعلق بالنظر في الصفات أو في الأفعال ، النظر في النبوءات لأنها الوسائط بين المعبود والعباد ، وفي كل أصل ثبت للدين علميا كان أو عمليا . ويتكمل بتقرير البراهين والمحاجة لمن جادل من خصماء المبطلين .
والثاني - يشتمل على التعريف بأنواع التعبدات من العبادات والعادات والمعاملات وما يتبع كل واحد منها من المكملات . وهي أنواع فروض الكفايات . وجامعها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والنظر فيمن يقوم به .
والثالث - يدخل في ضمنه النظر في ثلاثة مواطن : الموت وما يليه ، ويوم القيامة وما يحويه ، والمنزل الذي يستقر فيه . ومكمل هذا الجنس الترغيب والترهيب . ومنه الإخبار عن الناجين والهالكين وأحوالهم وما أداهم إليه حاصل أعمالهم . وإذا تقرر هذا تلخص من مجموع العلوم الحاصلة في القرآن اثنا عشر علما . وقد حصرها الغزالي في ستة أقسام : ثلاثة منها هي السوابق ، والأصول المهمة . وثلاثة هي توابع ، ومتممة .
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : الآية : 56 .