تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن هذا المعنى ليس مأخوذا من تفاصيل القرآن كما تؤخذ منه الأحكام الشرعية ، إذ لم تنص آياته وسوره على ذلك مثل نصها على الأحكام بالأمر والنهى وغيرهما ، وإنما فيه التنبيه على التعجيز أن يأتوا بسورة مثله . وذلك لا يختص به شيء من القرآن دون شيء ، ولا سورة دون سورة ، ولا نمط منه دون آخر . بل ماهيته هي المعجزة له حسبما نبه عليه قوله عليه السّلام « 1 » : « ما من الأنبياء نبىّ إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر . وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلىّ . فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » فهو بهيئته التي أنزله اللّه عليها دال على صدق الرسول عليه السّلام . وفيها عجز الفصحاء اللسن والخصماء اللد عن الإتيان بما يماثله أو يدانيه . ووجه كونه معجزا لا يحتاج إلى تقريره في هذا الموضع ، لأنه كيما تصور الإعجاز به ، فماهيته هي الدالة على ذلك ، فإلى أي نحو منه ملت دلك على صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فهذا القسم أيضا لا نظر فيه هنا وموضعه كتب الكلام . . . وقسم هو مأخوذ من عادة اللّه تعالى في إنزاله وخطاب الخلق به ، ومعاملته لهم بالرفق والحسنى ، من جعله عربيا يدخل تحت نيل أفهامهم مع أنه المنزه القديم . وكونه تنزل لهم بالتقريب والملاطفة والتعليم في نفس المعاملة به قبل النظر إلى ما حواه من المعارف والخيرات . وهذا نظر خارج عما تضمنه القرآن من العلوم . وتنبنى صحة الأصل المذكور في كتاب الاجتهاد . وهو أصل التخلق بصفات اللّه والاقتداء بأفعاله . ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية والفوائد الفرعية والمحاسن الأدبية . فلنذكر منها أمثلة يستعان بها في فهم المراد . فمن ذلك عدم المؤاخذة قبل الإنذار . ودل على ذلك إخباره تعالى عن نفسه بقوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 2 » فجرت عادته في خلقه أن لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل . فإذا قامت الحجة عليهم ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ولكل جزاء مثله . ومنها الإبلاغ في إقامة الحجة على ما خاطب به الخلق . فإنه تعالى أنزل القرآن برهانا في نفسه على صحة ما فيه . وزاد على يدي رسوله عليه السّلام من المعجزات ما فيه بعض الكفاية .
هامش
( 1 ) اخرجه البخاري في صحيحه في : 66 - كتاب فضائل القرآن . ( 2 ) سورة الإسراء : الآية : 15 .
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 173 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية