ومنها ترك الأخذ من أول مرة بالذنب ، والحلم عن تعجيل المعاندين بالعذاب ، مع تماديهم على الإباءة والجحود ، بعد وضوح البرهان ، وإن استعجلوا به .
ومنها تحسين العبارة بالكناية ونحوها في المواطن التي يحتاج فيها إلى ذكر ما يستحيى من ذكره في عادتنا . كقوله تعالى :
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
« 1 » ،
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ
« 2 » . وقوله :
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
« 3 » ، حتى إذا وضح السبيل في مقطع الحق ، وحضر وقت التصريح بما ينبغي التصريح به ، فلا بد منه ، وإليه الإشارة بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
« 4 » .
وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ
« 5 » .
ومنها التأنى في الأمور والجرى على مجرى التثبت والأخذ بالاحتياط ، وهو المعهود في حقنا ، فلقد أنزل القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نجوما في عشرين سنة ، حتى قال الكفار :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
« 6 » فقال اللّه :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
وقال :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 7 » ، وفي هذه المدة كان الإنذار يترادف والصراط يستوى بالنسبة إلى كل وجهة وإلى كل محتاج إليه .
وحين أبى من أبى من الدخول في الإسلام بعد عشر سنين أو أكثر ، بدءوا بالتغليظ بالدعاء . فشرع الجهاد لكن على تدريج أيضا . حكمة بالغة وترتيبا يقتضيه العدل والإحسان حتى إذا كمل الدين ودخل الناس فيه أفواجا ولم يبق لقائل ما يقول ، قبض اللّه نبيه إليه ، وقد بانت الحجة ووضحت المحجة واشتد أسّ الدين وقوى عضده بأنصار اللّه .
فللّه الحمد كثيرا على ذلك .
ومنها كيفية تأدب العباد إذا قصدوا باب رب الأرباب بالتضرع والدعاء ، فقد بين مساق القرآن آدابا استقرئت منه . وإن لم ينص عليها بالعبارة ، فقد أغنت إشارة التقرير عن التصريح بالتعبير . فأنت ترى أن نداء اللّه للعباد لم يأت في القرآن ، في الغالب ، إلا ب ( يا )
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية : 43 سورة المائدة : الآية 6 .
( 2 ) سورة التحريم : الآية : 12 .
( 3 ) سورة المائدة : الآية : 75 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية : 26 .
( 5 ) سورة الأحزاب : الآية : 53 .
( 6 ) سورة الفرقان : الآية : 32 .
( 7 ) سورة الإسراء : الآية : 106 .