المشيرة إلى بعد المنادى ، لأن صاحب النداء منزه عن مداناة العباد ، موصوف بالتعالى عنهم والاستغناء . فإذا قرر نداء العباد للرب أتى بأمور تستدعى قرب الإجابة . منها إسقاط حرف النداء المشير إلى قرب المنادى وأنه حاضر مع المنادى غير غافل عنه ، فدل على استشعار الراغب هذا المعنى إذ لم يأت في الغالب إلا : ربنا ربنا كقوله :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا
« 1 »
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا
« 2 » ،
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي
« 3 » ،
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
« 4 » .
ومنها : كثرة مجىء النداء باسم الرب المقتضى للقيام بأمور العباد وإصلاحها ، فكان العبد متعلقا بمن شأنه التربية والرفق والإحسان قائلا : يا من هو المصلح لشئوننا على الإطلاق أتم لنا ذلك بكذا . وهو مقتضى ما يدعو به . وإنما أتى ( اللهم ) في مواضع قليلة ، ولمعان اقتضتها الأحوال .
ومنها : تقديم الوسيلة بين يدي الطلب كقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
« 5 » الآية
رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا
« 6 »
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ
« 7 »
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ
« 8 »
رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً
« 9 »
رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ
إلى قوله :
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً
« 10 » ،
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا
« 11 » إلى غير ذلك من الآداب التي تؤخذ من مجرد التقرير .
والحاصل أن القرآن احتوى ، من هذا النوع ، من الفوائد والمحاسن التي تقتضيها القواعد الشرعية ، على كثير يشهد بها شاهد الاعتبار ، وتصحّحها نصوص الآيات والأخبار .
وقسم هو المقصود الأول بالذكر ، وهو الذي نبه عليه العلماء وعرفوه مأخوذا من نصوص الكتاب ، منطوقها ومفهومها ، على حسب ما أداه اللسان العربي فيه . وذلك أنه محتو من
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية : 286 .
( 2 ) سورة البقرة الآية : 127 .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 35 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية : 260 .
( 5 ) سورة الفاتحة الآيتان 5 - 6 .
( 6 ) سورة آل عمران : الآية : 16 .
( 7 ) سورة آل عمران : الآية : 53 .
( 8 ) سورة آل عمران : الآية : 191 .
( 9 ) سورة يونس : ، الآية : 88 .
( 10 ) سورة نوح : الآية : 21 - 28 .
( 11 ) سورة البقرة : الآية : 127 .