على أن العفو أقرب للتقوى والاغضاء مبنى الفتوة وعليه الفتوى . والسادة الذين تكلم فيهم هؤلاء
إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
« 1 » ،
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
« 2 » ، وحيث تحرر الكلام في الكلام على مذهب أهل السنة واندفعت عنه بفضل اللّه تعالى كل محنة ومهنة ، فلا بأس بأن نحكى بعض الأقوال ، كما حكى اللّه تعالى كثيرا من أقوال ذوى الضلال ، وبعد أن رسخ الحق في قلبك ، وتغلغل في سويدائه كلام ربّك ، لا أخشى عليك من سماع باطل لا يزيدك إلا حقا . وكاذب لا يورثك إلا صدقا .
فنقول : أما المعتزلة فاتفقوا كافة على أن معنى كونه تعالى متكلما ، أنه خالق الكلام على وجه لا يعود اليه منه صفة حقيقية ، كما لا يعود اليه من خلق الأجسام وغيرها صفة حقيقية ، واتفقوا أيضا على أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات وأنه محدث مخلوق ، ثم اختلفوا فذهب الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أنه حادث في محل ، ثم زعم الجبائي أن اللّه تعالى يحدث عند قراءة كل قارئ كلاما لنفسه في محل القراءة وخالفه الباقون ، وذهب أبو الهذيل بن الحلاف وأصحابه إلى أن بعضه في محل وهو قوله كن ، وبعضه لا في محل كالأمر والنهى والخبر والاستخبار ، وذهب الحسن بن محمد النجار إلى أن كلام الباري إذا قرئ فهو عرض وإذا كتب فهو جسم ، وذهبت الإمامية والخوارج والحشوية إلى أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات ، ثم اختلف هؤلاء فذهب الحشوية إلى أنه قديم أزلي قائم بذات الرب تعالى ، لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام البشر وبعضهم قال لا ، بل الحرف حرفان ، والصوت صوتان ، قديم وحادث والقديم منهما ، ليس من جنس الحادث ، وأما الكرامية فقالوا إن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم وقد يطلق على الأقوال والعبارات وعلى كلا التقديرين فهو قائم بذات اللّه تعالى ، لكن إن كان بالاعتبار الأول فهو قديم متحد لا كثرة فيه وإن كان بالاعتبار الثاني فهو حادث متكثر ، وأما الواقفية فقد أجمعوا على أن كلام الرب تعالى كائن بعد أن لم يكن ، لكن منهم من توقف في إطلاق اسم القديم والمخلوق عليه ومنهم من توقف في إطلاق اسم المخلوق وأطلق اسم الحادث ومن القائلين بالحدوث من قال ليس جوهرا ولا عرضا ،
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : الآية 72 .
( 2 ) سورة الفرقان : الآية 63 .