تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
لكونه موصوفا بصفة رب العالمين فلا يكون ظهوره مقيدا له ، بل هو المنزه عن التقييد حين الظهور
( يا مُوسى إِنَّهُ )
أي المنادى المتجلّى
( أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ )
فلا أتقيد لعزتى ولكني
الْحَكِيمُ
« 1 » فاقتضت حكمتى الظهور والتجلي في صورة مطلوبك ، فالمسموع على هذا صوت وحرف سمعهما موسى عليه السّلام من اللّه تعالى المتجلى بنوره في مظهر النار لما اقتضته الحكمة ، فهو عليه السّلام كليم اللّه تعالى بلا واسطة لكن من وراء حجاب مظهر النار وهو عين تجلى الحق تعالى له . وأما ما شاع عن الأشعري من القول بسماع الكلام النفسي القائم بذات اللّه تعالى فهو من باب التجويز والامكان لا أنّ موسى عليه السّلام سمع ذلك بالفعل إذ هو خلاف البرهان ، ومما يدلّ على جواز سماع الكلام النفسي بطريق خرق العادة قوله تعالى في الحديث القدسي « ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به » الحديث ، ومن الواضح أن اللّه تبارك وتعالى إذا كان بتجليه النوري المتعلق بالحروف غيبية كانت أو خيالية أو حسية ، سمع العبد على الوجه اللائق المجامع ل
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 2 » عند من يتحقق معنى الاطلاق الحقيقي صح أن يتعلق سمع العبد بكلام ليس حروفه عارضة لصوت ، لأنّه باللّه يسمع إذ ذاك واللّه سبحانه يسمع السرّ والنجوى . والإمام الماتريدي أيضا يجوّز سماع ما ليس بصوت على وجه خرق العادة ، كما يدل عليه كلام صاحب التبصرة في كتاب التوحيد . فما نقله ابن الهمام عنه من القول بالاستحالة ، فمراده الاستحالة العادية فلا خلاف بين الشيخين عند التحقيق ، ومعنى قول الأشعري : إنّ كلام اللّه تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تال وقراءة كل قارئ ، أنّ المسموع أولا وبالذات عند التلاوة إنما هو الكلام اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت القارئ بلا شك ، لكن الكلمات اللفظي لأنه صور الكلمات الغيبية القائمة بذات الحق ، فالكلام النفسي مسموع بعين سماع الكلام اللفظي لأنه صورته ، لا من حيث الكلمات الغيبية فإنها لا تسمع إلا على طريق خرق العادة وقول الباقلاني : « إنما تسمع التلاوة دون المتلو والقراءة دون المقروء » يمكن حمله على أنه أراد إنما يسمع أولا وبالذات التلاوة ، أي المتلو اللفظي الذي حروفه
هامش
( 1 ) سورة النّمل : الآية 9 . ( 2 ) سورة الشّورى : الآية 11 .