وهمزة الاستفهام إنما تدل على معنى الاستفهام فيما بعدها ، فلما كان معناها لا يظهر إلا فيما بعدها - صارت كأنها جزء منه ؛ لأن معناها إنما يحصل بحصول اللفظ بمجموعهما ، كما أن معنى الكلمة التي تدل على معنى في نفسها إنما يحصل بمجموع أجزائها ، والله تبارك وتعالى أعلم .
هامش
تصور معناه في الذهن غير متوقف على خارج عنه ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : ما الإنسان ؟ فقيل لك : حتى ناطق ، وإذا قلت : ما معنى ( ضرب ) ؟ فقيل لك : ضرب في زمان ماض ، أدركت المعنيين باللفظ المذكور في التفسير ؟ ! وقولنا في الحرف : ( يدل على معنى في غيره ) ، نعنى به أن تصور معناه متوقف على خارج عنه ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : ما معنى ( من ) ؟ فقيل لك : التبعيض ، وخليت وهذا ، لم تفهم معنى ( من ) إلا بعد تقدم معرفتك بالجزء والكل ؛ لأن التبعيض أخذ جزء من كل .
وقد قيل غير ذلك .
وقد اختلف النحويون في علة تسميته حرفا :
فقيل : سمى بذلك ؛ لأنه طرف في الكلام ، وفضلة ، والحرف ، في اللغة ، هو الطرف ، ومنه قولهم : ( حرف الجبل ) أي : طرفه ، وهو أعلاه المحدد .
فإن قيل : فإن الحرف قد يقع حشوا ، نحو : مررت بزيد ؛ فليست الباء في هذا بطرف .
فالجواب أن الحرف طرف في المعنى ؛ لأنه لا يكون عمدة ، وإن كان متوسطا .
وقيل : لأنه يأتي على وجه واحد ، والحرف - في اللغة - : هو الوجه الواحد ، ومنه قوله تعالى :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ[ الحج : 11 ] أي : على وجه واحد ، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء ، أي : يؤمن بالله ، ما دامت حاله حسنة ، فإن غيرها الله وامتحنه كفر به ؛ وذلك لشكه وعدم طمأنينته .
فإن قيل : فإن الحرف الواحد قد يرد لمعان كثيرة .
فالجواب : أن الأصل في الحرف أن يوضع لمعنى واحد ، وقد يتوسع فيه ، فيستعمل في غيره ، قاله بعضهم .
وأجاب غيره بأن الاسم قد يدل ، في حالة واحدة ، على معنيين ، مثل أن يكون فاعلا ومفعولا ، في وقت واحد : كقولك : رأيت ضارب زيد ، ف ( ضارب زيد ) في هذه الحالة فاعل ومفعول .
والفعل أيضا يدل على معنيين : الحدث والزمان .
والحرف إنما يدل ، في حالة واحدة ، على معنى واحد .
والظاهر أنه إنما سمى حرفا ؛ لأنه طرف في الكلام ، كما تقدم . وأما قوله تعالى :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ[ الحج : 11 ] فهو راجع إلى هذا المعنى ؛ لأن الشاك كأنه على طرف من الاعتقاد ، وناحية منه . وإلى ذلك ترجع معاني الحروف كلها ، كقولهم للناقة الضامرة الصلبة : حرف ؛ تشبيها لها بحرف السيف .
وقيل : هي الضخمة ؛ تشبيها لها بحرف الجبل . وكان الأصمعي يقول : الحرف : الناقة المهزولة . ينظر : الجنى الداني ( 20 - 25 ) .