وهذا هو السبب في الاتصال في اللفظ .
وأما حكم المعنى فهو أن الحرف إنما جئ به ليدل على معنى في غيره « 1 » ،
هامش
( 1 ) ذكر النحاة عدة تعريفات للحرف ، ومن أحسنها قول بعضهم : الحرف : كلمة تدل على معنى ، في غيرها ، فقط .
فقوله ( كلمة ) جنس يشمل الاسم والفعل والحرف ، وعلم من تصدير الحد به أن ما ليس بكلمة فليس بحرف : كهمزتى النقل والوصل ، وياء التصغير . فهذه من حروف الهجاء لا من حروف المعاني ؛ فإنها ليست بكلمات بل هي أبعاض كلمات . وهذا أولى من تصدير الحد ب ( ما ) ؛ لإبهامها .
واعترض بأن تصدير حد الحرف بالكلمة لا يصح ، من جهة أنه يخرج عنه ، من الحروف ، ما هو أكثر من كلمة واحدة ، نحو : إنما وكأنما .
والجواب : أنه ليس في الحروف ما هو أكثر من كلمة واحدة . وأما نحو : إنما وكأنما ، مما هو كلمتان ، فهو حرفان ، لا حرف واحد ، بخلاف نحو ( كأن ) مما صيره التركيب كلمة واحدة ، فهو حرف واحد .
وقوله : ( تدل على معنى في غيرها ) فصل ، يخرج به الفعل ، وأكثر الأسماء ؛ لأن الفعل لا يدل على معنى في غيره . وكذلك أكثر الأسماء .
وقوله : ( فقط ) فصل ثان ، يخرج به من الأسماء ، ما يدل على معنى في غيره ، ومعنى في نفسه ؛ فإن الأسماء قسمان :
قسم يدل على معنى في نفسه ، ولا يدل على معنى في غيره ، وهو الأكثر .
وقسم يدل على معنيين : معنى في نفسه ، ومعنى في غيره : كأسماء الاستفهام ، والشرط ، فإن كل واحد منها يدل ، بسبب تضمنه معنى الحرف ، على معنى في غيره ، مع دلالته على المعنى الذي وضع له . فإذا قلت مثلا : من يقم أقم معه ، فقد دلت ( من ) على شخص عاقل بالوضع ، ودلت مع ذلك على ارتباط جملة الجزاء بجملة الشرط ؛ لتضمنها معنى ( إن ) الشرطية ؛ فلذلك زيد في الحد ( فقط ) ؛ ليخرج به هذا القسم .
واعترض الفارسي قول من حد الحرف ( بأنه ما دل على معنى في غيره ) بالحروف الزائدة ، نحو ( ما ) في قولهم : إنك ما وخيرا ؛ لأنها لا تدل على معنى في غيرها .
وأجيب بأن الحروف الزائدة تفيد فضل تأكيد وبيان ، للكثرة ؛ بسبب تكثير اللفظ بها ، وقوة اللفظ مؤذنة بقوة المعنى ، وهذا معنى لا يتحصل إلا مع كلام .
فإن قيل : ما معنى قولهم : ( الحرف يدل على معنى في غيره ) .
فالجواب : معنى ذلك أن دلالة الحرف على معناه الإفرادى متوقفة على ذكر متعلّقه ، بخلاف الاسم والفعل ؛ فإن دلالة كل منهما على معناه الإفرادى ، غير متوقفة على ذكر متعلق ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : ( الغلام ) فهم منه التعريف . ولو قلت : أل - مفردة - لم يفهم منه معنى ، فإذا قرن بالاسم أفاد التعريف .
وكذلك باء الجر ؛ فإنها لا تدل على الإلصاق ، حتى تضاف إلى الاسم الذي بعدها ، لا أنه يتحصل منها مفردة . وكذلك القول في سائر الحروف .
وقال السيرافى : المراد من قولنا في الاسم والفعل : ( إنه يدل على معنى في نفسه ) أن -