على مد الكسائي وابن عامر بمقدار يسير ، وهكذا سائرها .
والمعتبر في ذلك أن القرآن إنما أنزل بلسان عربى مبين ؛ فإذا كان كذلك فالمحصّل يميز بعقله المقدار الذي يمكن استعماله في المخاطبات عند قصد البيان ، والتثبيت في الخطاب من الصبر والتبيين لآحاد الكلمات بحيث لا يخرج الكلام معه عن المعتاد إلى ما تنفر عنه الطباع ، وما يستعمل أيضا من الحدر « 1 » والإسراع الذي لا يخل بالحروف ، ولا يميتها .
فتعلم أن التلاوة ينبغي أن تكون دائرة بين هذين الطرفين « 2 » ، وهذا معنى قوله :
« وإنما ذلك على مقدار مذاهبهم في التحقيق والحدر » يريد بالتحقيق : تمكين الحروف والصبر على حركاتها والتثبيت في بيانها ، ويريد بالحدر : الإسراع والهذّ .
ومذاهب القراء في ذلك لا بد أن تكون موافقة لما عليه كلام العرب الذي نزل
هامش
( 1 ) الحدر : هو الإسراع في القراءة ، قال ابن سيده : حدر الشيء ، يحدره ويحدره ، حدرا وحدورا ، فانحدر : حطه من علو إلى سفل .
الأزهري : وكل شئ أرسلته إلى أسفل ، فقد حدرته حدرا وحدورا ، قال : ولم أسمعه بالألف : أحدرت ، قال : ومنه سميت القراءة السريعة : الحدر ؛ لأن صاحبها يحدرها حدرا .
وحدرت السفينة : أرسلتها إلى أسفل ، ولا يقال : أحدرتها ، وحدر السفينة في الماء ، والمتاع ، يحدرهما حدرا ، وكذلك حدر القرآن والقراءة .
الجوهري : وحدر في قراءته وفي أذانه ، حدرا ، أي : أسرع . وفي حديث الأذان : « إذا أذنت فترسل ، وإذا أقمت فاحدر » ، أي : أسرع . وهو من الحدور ضد الصعود ، يتعدى ولا يتعدى .
ينظر : اللسان ( 2 / 802 ) .
وفي ب : الهمز .
( 2 ) السنة أن يقرأ القرآن مرتلا ؛ لقوله تبارك وتعالى :وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا[ المزمل : 4 ] .
والترتيل : هو أن يذكر الحروف مبينة ظاهرة ، والفائدة فيه : أنه إذا وقعت القراءة على هذا الوجه ، فهم من نفسه معاني تلك الألفاظ ، وأفهم غيره تلك المعاني ، وإذا قرأها سردا ، لم يفهم ولم يفهم ؛ فكان الترتيل أولى .
روى أبو داود - رحمه الله تعالى - بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يقال للقارئ : اقرأ وارق ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها » .
قال أبو سليمان الخطابي - رحمه الله - : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة ، يقال للقارئ : اقرأ وارق في الدرج على عدد ما كنت تقرأ من القرآن ، فمن استوفى ، فقرأ جميع آي القرآن استولى على أقصى الجنة ينظر : اللباب ( 1 / 90 - 91 ) .