قبل الكاف ، فهي تخفى عندها ، وحاصل هذا التعليل أن الإدغام هنا إجحاف بالكلمة من جهة أن الحرف المدغم مدفون فيما أدغم فيه ، فقد ذهب لفظه وحركته ، والنون الخفيفة في حكم الذاهب أيضا ؛ فكأنه قد ذهب من الكلمة حرفان ؛ ولهذا قال الإمام : فكأنك أدغمت حرفين وذلك رديء جدّا . ولا يعلل هذا الموضع بكون الإدغام فيه يؤدى إلى التقاء الساكنين ؛ لأنه لم يتحاش من الإدغام بعد الساكن ، وإن كان الساكن صحيحا نحو
وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ
و
شَهْرُ رَمَضانَ
و
مِنْ قَبْلُ لَفِي
فإن قيل لا يصح الإدغام في هذه الأمثلة التي ذكرت ، ولا فيما أشبهها عند الحذاق من النحويين والمقرئين ، وإنما هو إخفاء للحركة وهو الذي يعبر عنه بالروم « 1 » ، وحقيقته : النطق ببعض الحركة ، وهو مستعمل في الضمة والكسرة ، ولا فرق بين النطق ببعض الحركة والنطق بجملتها على التمام في تفكيك الحروف ومنع الإدغام ؛ فيندفع بذلك التقاء الساكنين .
فالجواب : أنه قد ثبتت الرواية عنه بإدغام الحرف المفتوح وقبله حرف ساكن صحيح في عشرة مواضع من القرآن ، مع أن الفتحة لا ترام عند القراء :
منها في آل عمران
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا
[ 151 ] ،
هامش
( 1 ) رام الشيء ، يرومه ، روما ومراما : طلبه ، ومنه روم الحركة في الوقف على المرفوع والمجرور ، قال سيبويه : أما الذين راموا الحركة فإنه دعاهم إلى ذلك الحرص على أن يخرجوها من حال ما لزمه إسكان على كل حال ، وأن يعلموا أن حالها عندهم ليس كحال ما سكن على كل حال ، وذلك أراد الذين أشموا ، إلا أن هؤلاء أشد توكيدا .
قال الجوهري : روم الحركة الذي ذكره سيبويه حركة مختلسة مخفاة لضرب من التخفيف ، وهي أكثر من الإشمام ؛ لأنها تسمع ، وهي بزنة الحركة وإن كانت مختلسة مثل همزة بين بين ، كلما قال :أأن زم أجمال وفارق جيرة * وصاح غراب البين أنت حزينقوله أأن زم : تقطيعه فعولن ، ولا يجوز تسكين العين ، وكذلك قوله تعالى :شَهْرُ رَمَضانَ، فيمن أخفى ، إنما هو بحركة مختلسة ، ولا يجوز أن تكون الراء الأولى ساكنة ؛ لأن الهاء قبلها ساكن ، فيؤدى إلى الجمع بين الساكنين في الوصل من غير أن يكون قبلها حرف لين ، قال : وهذا غير موجود في شئ من لغات العرب ، قال :
وكذلك قوله تعالى :إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَوأَمَّنْ لا يَهِدِّيويَخِصِّمُونَ، وأشباه ذلك ، قال : ولا معتبر بقول القراء : إن هذا ونحوه مدغم ؛ لأنهم لا يحصلون هذا الباب ، ومن جمع بين الساكنين في موضع لا يصح فيه اختلاس الحركة فهو مخطئ كقراءة حمزة في قوله تعالى :فَمَا اسْطاعُوالأن سين « الاستفعال » لا يجوز تحريكها بوجه من الوجوه . ينظر : اللسان ( 3 / 1782 ) ( روم ) .