وإنما حملت كلامه على هذا ؛ لأن الحرفين المتماثلين لا بد أن يكونا من مخرج واحد ؛ إذ حقيقتهما : أنهما حرف واحد مكرر كالباءين في « سبب » والصادين في « القصص » .
وأما المتقاربان في المخرج فهما مختلفان ، وليسا بمثلين ، ولا يصح إدغام أحدهما في الآخر إلا بعد قلب المدغم إلى جنس ما يدغم فيه فيصيرا مثلين ؛ إذ الحاصل من الإدغام في ذلك : النطق بحرف واحد مشدد ؛ فلا يمكن أن يبقى الأول مخالفا للثاني حال الإدغام ؛ لما كان يلزم من وجود صوتين مختلفين في الحرف الواحد المشدد ، ولما كان يلزم من إعمال العضوين الناطقين بالحرفين المختلفين في زمان واحد ، وهذا أمر خارج عن قوى البشر ، والله - تبارك وتعالى - أعلم .
قوله - رحمه الله - : « وهي تأتى على ضربين : متصلة في كلمة ومنفصلة في كلمتين » يريد بقوله : « وهي تأتى » : الحروف المتماثلة والحروف المتقاربة ؛ فيكون الحاصل أربعة أقسام :
القسم الأول : المثلان في كلمة .
[ القسم ] الثاني : المثلان من كلمتين .
[ القسم ] الثالث : المتقاربان في كلمة .
[ القسم ] الرابع : المتقاربان من كلمتين .
القسم الأول - المثلان في كلمة :
قال الحافظ - رحمه الله - : « اعلم أن أبا عمرو لم يدغم من المثلين في كلمة إلا موضعين . . . » إلى آخر كلامه .
اعلم أن قولهم : « المثلان في كلمة » يكون حقيقة ، ويكون مجازا :
أما الحقيقة : فنحو الباءين في
سَبَباً
[ الكهف : 84 ] ، والراءين في
بَرَرَةٍ
[ عبس : 16 ] ، والقافين في
يُشاقِقِ
[ الأنفال : 13 ] ، والصادين في
الْقَصَصَ
[ الأعراف : 176 ] .
ألا ترى أن المثلين في جميع ذلك في كلمة واحدة ، وأن « سببا » وزنه « فعل » فالباء الأولى عين الكلمة ، والثانية لامها ، وكذلك سائر ما ذكر معه .
وأما المجاز : فنحو الكافين في
سَلَكَكُمْ
[ المدثر : 42 ] والنونين في
يَعْبُدُونَنِي
[ النور : 55 ] والهاءين في
وَجْهَهُ
[ البقرة : 112 ] .