تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
ويمكن أن يقال مثله في قوله - تعالى - :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
[ الزمر : 33 ] على تفسير من قال : إن المراد بالذي جاء بالصدق : محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبالذي صدق به : أبو بكر « 1 » - رضي الله عنه - فيكون التقدير : والذي جاء بالصدق
هامش
( 1 ) وهذا قول أبى العالية والكلبي ، وقال ابن عباس : والذي جاء بالصدق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وصدق به محمد صلى اللّه عليه وسلم : تلقاه بالقبول . وقال قتادة : والذي جاء بالصدق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وصدق به : هم المؤمنون ؛ لقوله :أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ[ الأنفال : 4 ] . وقال عطاء والذي جاء بالصدق : الأنبياء ، وصدق به : الأتباع ، وحينئذ يكون ( الذي ) بمعنى ( الذين ) كقوله :مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[ البقرة : 17 ] . وقال الحسن : هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا وجاءوا به في الآخرة . وقال ابن عادل الحنبلي : والذي جاء بالصدق لفظ مفرد ، ومعناه جمع ؛ لأنه أريد به الجنس ، وقيل : لأنه قصد به الجزاء ، وما كان كذلك كثر فيه وقوع : ( الذي ) موقع ( الذين ) ؛ ولذلك روعى معناه فجمع في قوله : ( أولئك هم المتقون ) كما روعى معنى ( من ) في قوله : ( للكافرين ) فإن ( الكافرين ) ظاهر واقع موقع المضمر ؛ إذ الأصل : مثوى لهم ، وقيل : بل الأصل : والذين جاء الصدق ، فحذفت النون تخفيفا كقولهكَالَّذِي خاضُوا[ التوبة : 69 ] . وهذا وهم ؛ إذ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع فكان يقال : والذي جاءوا كقوله : ( كالذي خاضوا ) . ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت عاد الضمير مثنى كقوله :أبني كليب إن عمّىّ اللذا * قتلا الملوك وفككا الأغلالاولجاء كقوله :[ و ] إن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالدوقرأ عبد الله : ( والذي جاءوا بالصدق وصدقوا به ) وقيل : ( الذي ) صفة لموصوف محذوف بمعنى الجمع ، تقديره : والفريق أو الفوج ؛ ولذلك قال : ( أولئك هم المتقون ) . وقيل : المراد بالذي واحد بعينه وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن لما كان المراد هو وأتباعه اعتبر ذلك فجمع فقال : ( أولئك هم ) كقوله :وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ[ المؤمنون : 49 ] قاله الزمخشري ، وعبارته : هو رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، أراد به إياه ومن تبعه كما أراد بموسى إياه وقومه . وناقشه أبو حيان في إيقاع الضمير المنفصل موقع المتصل ، قال : وإصلاحه أن يقول : وأراده به كما أراده بموسى وقومه ، قال شهاب الدين : ولا مناقشة ؛ لأنه مع تقديم ( به ) و ( بموسى ) لغرض من الأغراض استحال اتصال الضمير ، وهذا كالبحث في قوله تعالى :وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ[ النساء : 131 ] وقوله :يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ[ الممتحنة : 1 ] وهو أن بعض الناس زعم أنه يجوز الانفصال مع القدرة على الاتصال . وقول الزمخشري : إن الضمير في : ( لعلهم يهتدون ) لموسى وقومه ، فيه نظر ، بل الظاهر خصوص الضمير بقومه دونه ؛ لأنهم هم المطلوب منهم الهداية ، وأما موسى - عليه الصلاة والسلام - فمهتد ثابت على الهداية ، وقال الزمخشري أيضا : ويجوز أن يريد : والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به ، وهم الرسول الذي جاء بالصدق وصحابته الذين صدقوا به . -