« اقرءوا ما في المصحف » .
قوله : « ما خلا الأنفال وبراءة فإنه لا خلاف في ترك التسمية بينهما » .
إنما لم يفصلوا هنا بالتسمية اتباعا للخط ؛ إذ لا خلاف في تركها في جميع المصاحف بين الأنفال وبراءة . واختلف في سبب ذلك :
فحكى الحافظ في « إيجاز البيان » أن ابن عباس سأل عليّا - رضي الله عنهما :
« لم لم تكتب التسمية في أول براءة ؟ فقال : لأن « بسم الله الرحمن الرحيم » أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان » « 1 » .
وحكى الشيخ في كتاب « الكشف » عن مالك : إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة « بسم الله الرحمن الرحيم » لأنه سقط أولها - يعنى نسخ « 2 » ، وحكى مثله
هامش
- ( 2 / 606 ) ، وأسماء الصحابة الرواة ت ( 4 ) ، والثقات ( 3 / 323 ) .
( 1 ) أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه كما في الدر المنثور ( 3 / 377 ) .
( 2 ) النسخ في الاصطلاح :
قال جماعة منهم القاضي أبو بكر الباقلاني ، والصيرفي ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، والغزالي ، والآمدي ، وابن الأنباري وغيرهم : هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم ، على وجه لولاه لكان ثابتا ، مع تراخيه عنه . وإنما آثروا الخطاب على النص ؛ ليكون شاملا للفظ ، والفحوى ؛ والمفهوم ؛ فإنه يجوز جميع ذلك .
وقالوا : الدال على ارتفاع الحكم ؛ ليتناول الأمر ، والنهى ، والخبر ، وجميع أنواع الحكم .
وقالوا : بالخطاب المتقدم ؛ ليخرج إيجاب العبادات ابتداء ، فإنه يزيل حكم العقل ببراءة الذمة ، ولا يسمى نسخا ؛ لأنه لم يزل حكم خطاب .
وقالوا : على وجه لولاه لكان ثابتا ؛ لأن حقيقة النسخ : الرفع ، وهو إنما يكون رافعا لو كان المتقدم بحيث لولا طريانه لبقى .
وقالوا : مع تراخيه عنه ؛ لأنه لو اتصل لكان بيانا لمدة العبادة لا نسخا .
وقد اعترض على هذا الحد بوجوه :
الأول : أن النسخ هو نفس الارتفاع ، والخطاب إنما هو دال على الارتفاع ، وفرق بين الرافع وبين نفس الارتفاع .
الثاني : أن التقييد بالخطاب خطأ ؛ لأن الناسخ قد يكون فعلا ، كما يكون قولا .
الثالث : أن الأمة إذا اختلفت على قولين ، ثم أجمعت بعد ذلك على أحدهما ، فهذا الإجماع خطاب ، مع أن الإجماع لا ينسخ به .
الرابع : أن الحكم الأول قد يثبت بفعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وليس بخطاب .
قال الرازي في المحصول : والأولى أن يقال : الناسخ طريق شرعي ، يدل على أن مثل الحكم الذي كان ثابتا بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك ، مع تراخيه عنه ، على وجه لولاه لكان ثابتا . -