تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
هامش
- وقال ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - ( هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر ، أي : أكثر رحمة ) . قال الخطابي : وهو مشكل ؛ لأن الرقة لا مدخل لها في صفاته . وقال الحسين بن الفضل : هذا وهم من الراوي ؛ لأن الرقة ليست من صفات الله - تعالى - في شئ ، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر ، والرفق من صفاته . قال عليه الصلاة والسلام : « إن الله - تعالى - رفيق يحب الرفق ، ويعطى عليه ما لا يعطى على العنف » ويؤيده الحديث الآخر . وأما الرحيم فهو الرفيق بالمؤمنين خاصة . واختلف أهل العلم في أن ( الرحمن الرحيم ) بالنسبة إلى كونهما بمعنى واحد ، أو مختلفين ؟ فذهب بعضهم : إلى أنهما بمعنى واحد ك ( ندمان ونديم ) ، ثم اختلف هؤلاء على قولين : فمنهم من قال : يجمع بينهما تأكيدا . ومنهم من قال : لما تسمى مسيلمة - لعنه الله - ب ( الرحمن ) ، قال الله تعالى لنفسه : ( الرحمن الرحيم ) ، فالجمع بين هاتين الصفتين لله - تعالى - فقط ، وهذا ضعيف جدّا ؛ فإن تسميته بذلك غير معتد بها البتة ، وأيضا : فإن ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قبل ظهور أمر مسيلمة . ومنهم من قال : لكل واحد فائدة غير فائدة الآخر ، وجعل ذلك بالنسبة إلى تغاير متعلقهما ؛ إذ يقال : ( رحمان الدنيا ، ورحيم الآخرة ) ، ويروى ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ وذلك لأن رحمته في الدنيا تعم المؤمن والكافر ، وفي الآخرة تخص المؤمنين فقط . ويروى : ( رحيم الدنيا ورحمن الآخرة ) وفي المغايرة بينهما بهذا القدر وحده نظر لا يخفى . وذهب بعضهم إلى أنهما مختلفان ، ثم اختلف هؤلاء أيضا : فمنهم من قال : الرحمن أبلغ ؛ ولذلك لا يطلق على غير البارئ - تعالى - واختاره الزمخشري ، وجعله من باب ( غضبان ) و ( سكران ) للممتلئ غضبا وسكرا ؛ ولذلك يقال : ( رحمن الدنيا والآخرة ، ورحيم الآخرة فقط ) . قال الزمخشري : ( فكان القياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى ؛ كما يقال : ( شجاع باسل ) ، ولا يقال : ( باسل شجاع ) . ثم أجاب : بأنه أردف ( الرحمن ) الذي يتناول جلائل النعم وأصولها ب ( الرحيم ) ليكون كالتتمة والرديف ؛ ليتناول ما دق منها ولطف . ومنهم من عكس : فجعل ( الرحيم ) أبلغ ، ويؤيده رواية من قال : ( رحيم الدنيا ، ورحمان الآخرة ) ؛ لأنه في الدنيا يرحم المؤمن والكافر ، وفي الآخرة لا يرحم إلا المؤمن . قال ابن عادل الحنبلي : لكن الصحيح أن ( الرحمن ) أبلغ ، وأما هذه الرواية فليس فيها دليل ، بل هي دالة على أن ( الرحمن ) أبلغ ؛ وذلك لأن القيامة فيها الرحمة أكثر بأضعاف ، وأثرها فيها أظهر على ما يروى ( أنه خبأ لعباده تسعا وتسعين رحمة ليوم القيامة ) . والظاهر أن جهة المبالغة فيهما مختلفة : فمبالغة ( فعلان ) من حيث : الامتلاء والغلبة ، -
شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير ) — صفحة 152 | عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )