وهذا من باب المجاز الذي أقيم فيه المسبّب مقام السبب ؛ لأن إرادة القراءة هي السبب في حصول القراءة « 1 » ، ونظير هذه الآية قوله - تعالى - :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . . .
الآية [ المائدة : 6 ] إذا تأولنا أنه أراد القيام إلى الصلاة مطلقا فيكون المعنى : إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا .
وأما إن تأولنا أنه أراد : إذا قمتم من النوم إلى الصلاة - فلا يصح التنظير بين الآيتين ، والله - جل جلاله - أعلم .
المسألة الرابعة : في حكم الاستعاذة :
من حيث الأمر « 2 » الوارد بها في قوله - تعالى - :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ
هامش
- قالوا : ولا يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى :فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِأي :
إذا أردت قراءة القرآن ؛ كما في قوله تعالى :إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا[ المائدة : 6 ] .
والمعنى : إذا أردتم القيام فتوضئوا ؛ لأنه لم يقل : فإذا صليتم فاغسلوا ؛ فيكون نظير قوله :فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ، وإن سلمنا كون هذه الآية نظير تلك ، فنقول :
نعم ، إذا قام يغسل عقيب قيامه إلى الصلاة ؛ لأن الأمر إنما ورد بالغسل عقيب قيامه ، وأيضا : فالإجماع دل على ترك هذا الظاهر ، وإذا ترك الظاهر في موضع لدليل ، لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل .
ينظر : اللباب ( 1 / 82 - 83 ) .
( 1 ) وهذا ما عليه جمهور الفقهاء ؛ فقد قالوا : إن قوله تعالى :فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْيحتمل أن يكون المراد منه : إذا أردت ، وإذا ثبت الاحتمال ، وجب حمل اللفظ عليه توفيقا بين الآية وبين الخبر المروى عن جبير بن مطعم - رضى الله تعالى عنه - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : « الله أكبر كبيرا : ثلاث مرات ، والحمد لله كثيرا : ثلاث مرات ، وسبحان الله بكرة وأصيلا : ثلاث مرات » ثم قال : « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه » .
ومما يقوى ذلك من المناسبات العقلية ، أن المقصود من الاستعاذة نفى وساوس الشيطان عند القراءة ؛ قال تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ[ الحج : 52 ] فأمره الله تعالى بتقديم الاستعاذة قبل القراءة ؛ لهذا السبب .
قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : وأقول : هاهنا قول ثالث : وهو أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة ؛ بمقتضى الخبر ، وبعدها ؛ بمقتضى القرآن ؛ جمعا بين الدلائل بقدر الإمكان .
ينظر : اللباب ( 1 / 84 - 86 ) .
( 2 ) الأمر منقسم إلى قسمين :
الأول : نفسي ، وهو الطلب القائم بذاته - عز وجل - الذي هو أحد مدلول الكلام النفسي المتنوع إلى أمر ونهى ، وخبر واستخبار ، فالأمر النفسي نوع من أنواع هذا المدلول .
القسم الثاني : لفظي ، وهو يتضمن اللفظ الوارد في القرآن الكريم ، والسنة النبوية -