تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
قال العبد - رحمه الله تعالى - : وبعد أن قررت هذا التأويل الرافع للمنافرة بين الرواية والتلاوة وجدت الحافظ قد نقل مثله فقال في كتاب « التمهيد » في سورة يوسف - عليه السلام - : « واختلفوا في سكون الياء وفتحها من قوله : « مثواي » و « بشراى » . ثم نقل أقوال الرواة في ذلك ، ثم قال ما نصه : « وسألت شيخنا أبا الحسن عن هذه الأشياء التي توجد مسطورة في النصوص كياء « هداي » و « بشراى » و « مثواي » وشبهه ، والتلاوة بالنقل عن مسطّريها بخلاف ذلك ، فقال لي : ذلك بمنزلة الآثار الواردة في الكتب في الأحكام وغيرها بنقل الثقات والعمل بخلافها ؛ فكذلك ذلك ، ثم قال الحافظ : « وهذا من لطيف التأويل وحسن الاستخراج » . ولما كان المعول على الجهر لم أطول بما ورد في الإخفاء من التفصيل والخلاف ومن أحب الوقوف على ذلك فلينظره في كتاب « الإقناع » لأبى جعفر بن الباذش - رحمه الله - فإنه قد أحكم القول فيه . المسألة الثالثة : في محل استعمال الاستعاذة . والخلاف في التزام استعمالها قبل القراءة وقبل البسملة غير أنا لو نزلنا الآية ، لاقتضى لفظها تقديم القراءة على التعوذ بدليل أنك إذا قلت : إذا رأيت هلال رمضان فصم ، وإذا رأيت هلال شوال فأفطر - لزم أن الصوم والفطر لا يكونان مطلوبين إلا بعد حصول الرؤية ؛ فكذا قوله - تعالى - :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ
[ ] يقتضى أن الاستعاذة لا تكون إلا بعد القراءة « 1 » ، فلما وجدنا الاتفاق على العمل بتقديم التعوذ على القراءة دل ذلك على أن في الآية إضمارا ، وأن المراد : فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ .
هامش
( 1 ) وبيان ذلك : أن قوله تعالى :فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ[ النحل : 98 ] يدل على أن قراءة القرآن شرط ، وذكر الاستعاذة جزاء ، والجزاء متأخر عن الشرط ؛ فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن القراءة . وقد قيل في تأييد ذلك : هذا موافق لما في العقل ؛ لأن من قرأ القرآن فقد استوجب الثواب العظيم ، فربما يداخله العجب ، فيسقط ذلك الثواب ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - « ثلاث مهلكات . . . » وذكر منها إعجاب المرء بنفسه ؛ فلهذا السبب أمره الله تعالى بأن يستعيذ من الشيطان ؛ لئلا يحمله الشيطان بعد القراءة على عمل محبط ثواب تلك الطاعة .