إِنِّي عامِلٌ
فسوف أعلم ، فحذف للعلم به ، وكذلك ما في سورة الزمر من خطاب من اللّه تعالى للنبي صلّى اللّه عليه وسلم على هذا الوجه ، وأما في سورة هود فإنه حكاية عن شعيب عليه السّلام لما تجاهل قومه عليه فقالوا له :
يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ
« 1 » فقال لهم :
اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ
وتعرفون عملي وإن قلتم إنا لا نفقه أكثر ما تقوله ، فجعل
سَوْفَ تَعْلَمُونَ
مكان الوصف لقوله : عامل ، فلم يصح على هذا المعنى دخول الفاء ، وقصد هذا المعنى لما أظهروا من جهلهم به وأنهم لا يعرفون ما يقوله لهم فقال لهم :
إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ
عملي وتعرفونه بعد ما أنكرتموه .
الآية السابعة عشرة منها
قوله تعالى :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
« 2 » وقال في سورة النحل « 3 » :
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
.
للسائل أن يسأل هنا عن مسألتين :
إحداهما : أنه ذكر في الثانية
مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
ولم يذكر في الأولى ، وهل كان يجوز لو وصلت إحداهما بما وصلت به الأخرى ؟
والثانية : توكيد الضمير في سورة النحل ، ثم العطف عليه ، وفي سورة الأنعام لم يؤكد وعطف عليه
وَلا آباؤُنا
والفصل الذي يقوم مقام التوكيد في المكانين حاصل .
الجواب أن يقال : قوله :
ما أَشْرَكْنا
مستغن عن ذكر المفعول به وإن كان في الأصل متعديا إليه لقوله : أن تشركوا به شيئا ، وإنما لم يحتج إلى ذكر المفعول به كما احتاج إليه
عَبَدْنا
لأن الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته والعبادة لا تدل على إثبات معبود لا يجوز إثباته ؛ لأنها تدل على معبود هو مثبت لا يصح نفيه فقوله :
ما عَبَدْنا
غير مستنكر أن يبدو ، وإنما المستنكر أن يعبدوا غير اللّه شيئا ، فكان تمام المعنى بذكر قوله :
مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
وكذلك :
وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
لا بدّ
هامش
( 1 ) سورة : هود ، الآية : 92 .
( 3 ) الآية : 35 .
( 2 ) سورة : الأنعام ، الآية : 148 .