تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
المعنى يوجب اختصاص اللفظ الذي جاء له فقوله :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ
معناه : اللّه يعلم أي المأمورين يضل عن سبيله : أزيد أم عمرو ، وهذا المعنى يقتضيه ما تقدم هذه الآية ، وما جاء بعدها مما تعلق بها فالذي قبلها
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
« 1 » أي : إن تطع الكفار يضلوك عن طاعة اللّه وعبادته . ثم إنه أخبر أنه يعلم من الذين يغوونه ويضلونه ومن الذين لا يتمكنون من إضلاله ، وبعد هذه الآية :
وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ
« 2 » . وأما قوله :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
فمعناه عنى معنى ما في الآية الأولى . أي : اللّه أعلم بأحوال من ضل كيف كان ابتداء ضلاله ، وما يكون من مآله أيصرّ على باطله أم يرجع عنه إلى حقه ؟ وقبلها
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
« 3 » من جعل المفتون بمعنى : الفتون كالمفعول بمعنى الفعل ، كان معناه : ستعلم ويعلمون بك أو بهم المفتون وخبال الرأي وفساد العقل ، ومن جعل المفتون للمبتلى بفساد التمييز وهو حكاية معنى قولهم : أنه صلّى اللّه عليه وسلم مجنون كان كما يقال : في أي الفرقتين المجنون ، أي : في فرقة الإسلام ، أو في فرقة الكفر ، والباء تقارب معنى « في » كما قال : فيه عيب وبه عيب ، فينوب كل واحد من الحرفين مناب الآخر في أداء المعنى . . ويجوز أن تكون الباء معناها على ما يقال : فلان باللّه وبك ، أي : ثباته به وبك ، معناه أي : سيعلم بأي الطائفتين ثبات الجنون ودوام الفتون . . وإذا كان مدار الكلام على أنه سيبصر بأيكم الخبال والجنون كان قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
أي : اللّه أعلم بي وبكم المخبل المجنون مني أو منكم وإذا قال :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
أي : هو أعلم بابتداء ضلاله وانتهاء أمره وهل يقيم على كفره أم يقلع عن غيه لرشده ، فقد بان لك أن كل موضع أتى فيه بما اقتضاه المعنى من اللفظ .

الآية الرابعة عشرة منها

قوله تعالى :
كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 4 » وقال في سورة يونس « 5 » :
كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
. للسائل أن يسأل فيقول : ما فائدة اختصاص المكان الأول بالكافرين ، والثاني بالمسرفين ؟
هامش
( 1 ) سورة : الأنعام ، الآية : 116 . ( 4 ) سورة : الأنعام ، الآية : 122 . ( 2 ) سورة : الأنعام ، الآية : 119 . ( 5 ) الآية : 12 . ( 3 ) سورة : القلم ، الآيتان : 5 ، 6 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 94 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي