الجواب : أن يقال إن الأول قبله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
والمراد بالميت هاهنا : الكافر ، والنور : الإيمان ، وحياته به ، ومن في الظلمات : من استمر به الكفر ولم ينتقل عنه ، فكان ذكر الكافرين بعده أولى . وأما المكان الثاني فإن قبله :
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
« 1 » وهذا صفة الكفار نعموا أبدانهم ونسوا أديانهم ، واقتصروا على عمارة الحياة الدنيا ولم يتعبوا بطلب الأخرى وهم المسرفون الذين قال اللّه تعالى فيهم :
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ
« 2 » لأنهم غلوا في إيثار الدنيا وتعجل نعيمها وتجاوزوا الحد في عمارتها والإعراض عما هو أهم منها . . ويجوز أن يكون الكفار سموا المسرفين لمجاوزتهم الحد في العصيان إذ يقال لمن أفرط في ظلم : أسرف ، فالذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وغفلوا عن تدبر آيات اللّه يقال لهم مسرفون على وجهين ، أحدهما :
المبالغة في تنعيم النفوس وجعلهم الدنيا حظهم بما عرضوا له من النعم . . والثاني :
مجاوزتهم الحد في معصية اللّه . فلما قال :
فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
« 3 » وأشار إلى من تقدم ذكرهم في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
ثم وصف حال الإنسان في الشدة والرخاء ، وانقطاعه في الشدة إلى الدعاء ونسيانه له في الرخاء فسمى الذين هذه صفتهم مسرفين على أحد الوجهين اللذين ذكرنا لإسرافهم في الحالين .
الآية الخامسة عشرة منها
قوله تعالى :
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ
« 4 » وقال في سورة هود « 5 » :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
.
للسائل أن يسأل فيقول : لم قال في الأولى
غافِلُونَ
وفي الآخرة
مُصْلِحُونَ
؟
الجواب : إن ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من العقاب في قوله :
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها
« 6 » وبعده :
هامش
( 1 ) سورة : يونس ، الآية : 7 .
( 4 ) سورة : الأنعام ، الآية : 131 .
( 2 ) سورة : غافر ، الآية : 43 .
( 5 ) الآية : 117 .
( 3 ) سورة : يونس ، الآية : 11 .
( 6 ) سورة : الأنعام ، الآية : 128 .