مع
حَرَّمْنا
من قوله :
مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
لم يحتج إليه بعد قوله :
ما أَشْرَكْنا
لأن الإشراك دال على أن صاحبه يحرم شيئا من دون اللّه ولا يدل
عَبَدْنا
على ذلك فوفّى اللفظان في سورة النحل حقهما من التمام .
الجواب عن السؤال الثاني : وهو : توكيد علامة الضمير في سورة النحل بنحن ، وترك ذلك في سورة الأنعام مع أن بعد واو العطف « لا » في الموضعين : هو أن كل ما أكد معنى الفعل - الذي ضمير الفاعل كالجزء منه إذا وليه ، ولم تكثر الحواجز بينهما - قام مقام التوكيد بعلامة الإضمار مثل أنا ونحن ، فقوله :
ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا
أشركنا منه منفي بما و « لا » بعد الواو مؤكد معنى « ما » الداخلة على الفعل ، فكأنها مؤكدة للفعل ، وإذا أكدت الفعل وعلامة الإضمار جزء منه فكأنها أكدتها ومثله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ
« 1 »
وَمَنْ تابَ
عطف على المضمر لقوله :
فَاسْتَقِمْ
وصح لأن قوله :
كَما أُمِرْتَ
بمعنى استقامة مثل ما أمرت به ، ف
كَما أُمِرْتَ
في موضع المصدر ، والمصدر توكيد للفعل نفسه ، فصار مثل توكيد ما هو كجزء منه فكان هذا المؤكد للفعل يليه في هذا المكان وفي قوله :
ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا
فأما قوله :
ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
لم يكن الفعل مؤكدا لنفس الفعل كما كان المصدر في قوله :
فَاسْتَقِمْ
وكما كانت « لا » بعد واو العطف في قوله :
وَلا آباؤُنا
مؤكدة معنى « ما » التي تنفي الفعل فتصير كأنها مؤكدة ما هو كبعض الفعل ؛ لأن الفصل هاهنا بالمفعول به وهو
مِنْ شَيْءٍ
وبقوله :
مِنْ دُونِهِ
ومعناه : ما عبدنا غيره شيئا ، فيكون بمعنى الاستثناء وليس شيء من هذين مؤكدا لنفس الفعل ، فلما لم يؤكداها وجاءت
وَلا آباؤُنا
وكانت « لا » مؤكدة إلا أنها لم تل علامة الضمير المعطوف عليها لحجزة بينهما بقوله :
مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
والحواجز إذا كثرت وبعدت ما بين الكلمتين اختير إعادة العامل مع أن في المتقدم كفاية كقوله عز وجلّ :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
« 2 » وكقوله :
أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ
« 3 » وكقوله :
أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
« 4 » فلما بعد الخبر وهو
مُخْرَجُونَ
من
أَنَّكُمْ
الأولى أعيدت ، وإذا كان الاختيار ما ذكرنا فيما طال الفصل به وكان الفصل في قوله :
ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
قد طال بجارين ومجرورين بين علامة الضمير في « عبدنا » وبين « لا » المؤكدة التي تنفي الفعل الذي علامة الضمير في تضاعيفه كجزء من أجزائه وكحرف من حروفه احتاج الضمير في العطف عليه إلى ما
هامش
( 1 ) سورة : هود ، الآية : 112 .
( 3 ) سورة : النمل ، الآية : 67 .
( 2 ) سورة : الكهف ، الآية : 30 .
( 4 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 35 .