تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠

الآية التاسعة عشرة منها

قوله تعالى في الوصية الأولى من هذه السورة :
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 1 » وفي الثانية :
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
« 2 » وفي الثالثة :
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 3 » . للسائل أن يسأل فيقول : ما الذي اقتضى في الأولى :
تَعْقِلُونَ
وفي الثانية :
تَذَكَّرُونَ
وفي الثالثة :
تَتَّقُونَ
وهل صلحت الثانية مكان الأولى في اختيار الكلام ؟ الجواب أن يقال : قدم اللّه تعالى الوصية بالأشرف الأعظم وهو الإيمان بدل الشرك وفيه أداء حق أكبر المنعمين ، ثم الإحسان إلى الوالدين ونعمتهما على الولد أكبر النعم بعد نعمة اللّه فحقهما يتلو حقه ، ثم الإحسان إلى الأولاد بتربيتهم وترك ما كانت عليه العرب في جاهليتها من وأد البنات للفقر والإملاق ، ثم أن لا يقربوا ما لعله أن يكون سبب ولد لا يصح نسبه وهذا في النهي عن سبب الإحداث ، كالأول في النهي عن سبب الإهلاك ، ثم أن يحقنوا الدماء ولا يسفكوها إلا بحقها وهو أن يقتلوها للقصاص والزنا بعد الإحصان والكفر بعد الإيمان . فهذه خمسة تتعلق بأكبر الحقوق وأوكد الأصول ، والشرك اعتقاد مذهب باطل بهوى ، وترك الإحسان إلى الوالدين يكون إما لمحبة مال لا يسمح به لهما ، أو اتباع هوى يدعو إلى مخالفتهما ، ووأد البنات لخوف الفقر والعار والزنا وما يقبح جدا من المعاصي تحمل عليه الشهوة ، وقتل النفس بغير حق يدعو إليه شفاء غيظ النفس الأمارة بالسوء . وكل ذلك قبيح في العقول محتاج في ذمّ النفس عنها إلى زاجر من عقل يدفع الهوى فلهذا قال :
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
أي : تستعملون العقل الذي يحبس نفوسكم عن قبيح الإرادات وفواحش الشهوات ، وبعد هذه الخمسة خمسة أخرى هي متعلقة بالحقوق في الأموال دون النفوس ، فأولها : حفظ مال اليتيم عليه لأنه لا يقوى على حفظه والأطماع تمتد إلى ماله وذو الولد يفكر في حاله وما يكرهه لولده فلا يستجيزه لولد غيره ، وبعده التعديل في الكيل وإيفاء الكيل والوزن بالقسط ، وهو الذي توعد اللّه عليه في قوله :
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
« 4 » ومعنى قوله :
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 5 » أي : إذا اجتهدت في التحري وتوخي القسط
هامش
( 1 ) سورة : الأنعام ، الآية : 151 . ( 4 ) سورة : المطففين ، الآيات : 1 ، 2 ، 3 . ( 2 ) سورة : الأنعام ، الآية : 152 . ( 5 ) سورة : الأنعام ، الآية : 152 . ( 3 ) سورة : الأنعام ، الآية : 153 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 100 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي