تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الأرض إلى بطنها على أنه كما نقل من موت إلى حياة ، ومن حياة إلى موت كذلك ينقل من الموت إلى الحياة ، ومن القبر إلى المحشر ومنه إلى إحدى الدارين ؛ لأن الاستيداع في الدنيا والمستقر في العقبى كما نقل في التفاسير ، فنطقت تلك الأحوال الحادثة لمن يفهمها ويفطن لها ويستدل بشاهدها على مغيبها أن بعد الموت بعثا وحشرا وثوابا وعقابا ، وهذا مما يفطن له ف « يفقهون » أولى به . وأما قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
بعد ما عدد نعمه على خلقه وما وسعه من رزقه من الحب المعد للأقوات ومن ضروب الأشجار وصنوف الثمار ، وكان هذا مستدعيا للإيمان به المشتمل على شكر نعمته والقيام بما فرض من طاعته وأوجب من عبادته كانت الآيات في ذلك معرضة لمن آمن باللّه ، فلذلك قال في الأخير :
إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
.

الآية الحادية عشرة منها

قوله تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
« 1 » وقال في سورة غافر « 2 » :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
. للسائل أن يسأل فيقول : لما ذا قدم في سورة الأنعام :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
على قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
وقدم في سورة غافر :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
على قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
؟ . الجواب : أن يقال : لأن ما في هذه السورة جاء بعد قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ
« 3 » فلما قال :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
أتى بعده بما يدفع قول من جعل له شريكا فقال :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
ثم قال :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
وفي سورة المؤمن جاء هذا بعد قوله :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 4 » فكان الكلام على تثبيت خلق الإنسان لا على نفي الشريك عنه كما كان في الآية الأولى ، فكان تقديم خالق كل شيء هاهنا أولى واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) سورة : الأنعام ، الآية : 102 . ( 3 ) سورة : الأنعام ، الآية : 100 . ( 2 ) الآية : 62 . ( 4 ) سورة : غافر ، الآية : 57 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 92 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي