تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ومفاخرة الأشكال والنظر ، ثم بعده المكاثرة بالأموال والأولاد ، فترتبت الحياة على هذه الأحوال فوجب تقديم حال اللعب على حال اللهو ، واللهو إذا أطلق في كلامهم : هو اجتلاب المسرة بمخالطة النساء ولذلك قال امرؤ القيس :
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
وقال آخر :
لهونا بمنجول البراقع حقبة * فما بال دهر لزّنا بالوصاوص
وقيل في قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
« 1 » قيل في تفسير اللهو : المرأة ، وقال قتادة : اللهو بلغة اليمن المرأة ، أي : لفعلناه من حيث يختص بعلمنا فلا يطلع غيرنا عليه ، تعالى اللّه عن الصاحبة والولد ، فعلى هذا سميت المرأة لهوا باسم الفعل لكثرة ما يقع ذلك بها . أما قوله تعالى في سورة العنكبوت :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
فليس المراد به أن الحياة الدنيا كلها لهو ولعب ، وليست شيئا غيرهما كقوله : ما هي إلا همّا لأنه لو كان المراد هذا لكان للقائل أن يقول : ما هذه الحياة الدنيا إلا خوف وحزن فالخوف : ألم القلب لتوقع مكروه ، والحزن : ألمه لفقد محبوب ، ثم إن هذه الحياة الدنيا تنطوي على أنواع عبادة اللّه وعلى تلاوة كتابه وعلى ما يكسب رضى اللّه عز وجلّ ويوجب ثوابه الدائم ، فكيف يقال فيما يتضمن كل هذه الخيرات : ليس هو إلا لهوا ولعبا ؟ بل المراد المبالغة في وصف قصر مدة الدنيا بالإضافة إلى مدة الأخرى ، فكأنه قال : ما أمد الحياة الدنيا إلا كأمد أزمنة اللهو واللعب ، وهي أزمنة تستقصر لشغل النفس بحلاوة ما يستعجل كما قال القائل :
شهور ينقضين وما شعرنا * بإنصاف لهنّ ولا سرار
وقال المتأخر :
وليلة إحدى الليالي الزهر * لم تك غير شفق وفجر
والدليل على أن المراد هذا ما ذكرت قبل ما ذكره اللّه بعد من قوله عز وجلّ :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
أي : إن حياتها تبقى أبدا ولا تعرف أمدا . . . وإنما قدم
هامش
( 1 ) سورة : الأنبياء ، الآيتان : 16 ، 17 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 89 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي