تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
أَ رَأَيْتَكُمْ
وفي الموضعين الآخرين
أَ رَأَيْتُمْ
وهل كان في الاختيار أن يكون أحدهما مكان الآخر أم لا ؟ . الجواب أن يقال : إن النحويين في قوله :
أَ رَأَيْتَكُمْ
على مذهبين ، أحدهما : مذهب أهل البصرة ، وهو أن الكاف في : أرأيتك زيدا عاقلا للخطاب كالكاف في ذلك ، وليست باسم ، ويقولون للاثنين : أرأيتكما زيدا عاقلا . وللجماعة : أرأيتكم زيدا عاقلا ، بمعنى : أعلمته عاقلا ، والتاء لا تتغير عن الفتح وهو علامة الضمير دون الكاف ، واكتفى بتثنية الكاف وجمعها عن تثنية التاء . ومن مذهب أهل الكوفة في الاثنين أن التاء اسم ، والكاف اسم مضمر والتقدير : أرأيتم أنفسكم إن أتاكم عذاب الله فالتاء موحدة اللفظ مع الكاف التي تختلف باختلاف المخاطبين اكتفاء باختلافها عن اختلاف التاء ، ولا اختلاف في ترادف الخطابين التاء والكاف على المذهبين ، ولا يترادفان إلا عند المبالغة في التنبيه ، والمبالغة فيه هو أن يعلم المخاطب أن لا تنبيه بعده وما يتصل بقوله :
أَ رَأَيْتَكُمْ
في الموضعين كلام يدل على ما إذا وقع لم ينفع عنده الزجر والتنبيه ألا تراه يقول :
أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ
وعند إتيان العذاب وقيام الساعة لا ينفع الانتباه ، ولا ينفع التنبيه ، و « أرأيتكم » فعل متعد إلى مفعولين والجملة التي هي إن أتاكم عذاب اللّه مضمنة مفعولية ، وكذلك قوله :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ
معناه : أعلمتم إن أتاكم العذاب مفاجأة من حيث لا يعلم أو عيانا من حيث يشاهد
هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ
وهم المخاطبون أي
هَلْ يُهْلَكُ
غيركم فإذا علق ب
أَ رَأَيْتَكُمْ
جملة تتضمن مفعوليها ومعنى الجملة تناهى الأمر في تخويفهم بالخشونة إلى حيث ينقطع التنبيه عندها كان هذا الموضع أحق المواضع بالمبالغة فيه بمرادفة التنبيه ، فلذلك أتى بالتاء والكاف اللتين لا تخلوان من الخطاب على المذهبين ، على أن مذهب الكوفيين في الآيتين صحيح محتمل ، فالآية الأولى تقديرها أرأيتم أنفسكم داعية غير اللّه
إِنْ أَتاكُمْ
عذاب اللّه ، والآية الثانية تقديرها أرأيتم أنفسكم غير هالكة إن أتاكم عذاب اللّه بغتة أو جهرة ، وأرأيتم أنفسكم
هَلْ يُهْلَكُ
غيرها لأنهم هم الظالمون . . فأما الآيتان الأخريان اللتان اقتصر فيهما على
أَ رَأَيْتُمْ
ولم يترادف في كل واحد منهما الخطابان الدالان على أن التناهي في التنبيه إلى حيث لا تنبيه بعده بذكر غاية ما يفزعون به وينذرون قرب حلوله ، فلأن الجملتين بعدهما لم يتضمنا من المبالغة فيما يحذرون ما ينقطع التنبيه عنده ، أما الأولى فقوله :
أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ
أي : أعلمتم -
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 86 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي