إن سلبكم اللّه صحة ما تحسون به المشاهدات وتعلمون به المغيبات - إلها غير اللّه يردها عليكم ، وليس هذا استئصالا كما في الآيتين المتقدمتين . . . فأما قوله :
أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
فلأن قبله
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 1 » مخبرا أنهم استعجلوا العذاب وقيام الساعة ، فنزلوا منزلة من لا يخافون ما أوعدوا به ، وكذلك قال :
ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
فلم يكن فيه صريح الاستئصال والإفصاح بالهلاك ، فكان كأن لم يبلغ حدا لا مزيد للتنبيه فيه ، بل هم في ذلك الحال أحوج ما كانوا إلى الزجر إذ لم يبلغ منتهاه كما بلغ في الآيتين الأخريين ، وصار التقدير : أعلمتم أي شيء يستعجل المجرمون من عذاب اللّه أي : هم يستعجلون هلاكهم ولا يعلمون ، ومعناه : أعلموهم طالبين هلاك أنفسهم بما يستعجلونه من نزول عذاب اللّه بهم ، فقد بان لك الفرق بين الآيات وما ترادفت فيه علامتا الخطاب دون غيره مما جرى على أصل الكلام والعلم عند اللّه .
الآية الثامنة منها
قوله تعالى :
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ
« 2 » وقال في سورة الأعراف « 3 » :
قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
وقال في سورة العنكبوت « 4 » :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ
فقدم اللهو على اللعب في هاتين الآيتين ، وجاء في سورة الحديد « 5 » :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
فقدم اللعب على اللهو كما قدمه في سورة الأنعام .
للسائل : أن يسأل فيقول : إذا كانت الواو للجمع بين الشيئين والأشياء بلا ترتيب فهل لتقديم أحد الاسمين على الآخر في موضع دون موضع ، وتقديم الآخر عليه في غير ذلك الموضع فائدة تختصه ، أم كان جائز في كل مكان تقديم أيهما شاء المتكلم لا لغرض يختصه ؟
الجواب : أن يقال : أما الآية الأولى التي في هذه السورة فإنها في قوم من الكفار
هامش
( 1 ) سورة : يونس ، الآية : 48 .
( 4 ) الآية : 64 .
( 2 ) سورة : الأنعام ، الآية : 70 .
( 5 ) الآية : 20 .
( 3 ) الآيتان : 50 ، 51 .